متن :
أقول : قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقق قدّس سرّه : أن التمسّك بأصل البراءة منوط بدليل عقلي هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به ، و لا دخل لإكمال الدين و عدمه و لا لكون الحسن و القبح أو الوجوب و التحريم عقليّين أو شرعيّين ، في ذلك .
و العمدة في ما ذكره هذا المحدّث من أوّله إلى آخره : تخيّله أنّ مذهب المجتهدين التمسّك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعي ، و لم أجد أحدا يستدلّ بها على ذلك . نعم ، قد عرفت سابقا أنّ ظاهر جماعة من الإماميّة جعل أصل البراءة من الأدلّة الظنيّة ، كما تقدّم في المطلب الأول استظهار ذلك من صاحبي المعالم و الزبدة .
لكن ما ذكره من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ ، لجواز دعوى أن المظنون بالاستصحاب أو غيره موافقة ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه و آله للبراءة . و ما ذكره من تبعيّة خطاب اللّه تعالى للحكم و المصالح لا ينافي ذلك .
لكن الإنصاف :
أن الاستصحاب لا يفيد الظن ، خصوصا في المقام - كما سيجىء في محله - و لا أمارة غيره يفيد الظن .
فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظن ، و منع اعتباره على تقدير الحصول ، و لا دخل لإكمال الدين و عدمه و لا للحسن و القبح العقليّين في هذا المنع .
و كيف كان :
فيظهر من المعارج القول بالاحتياط في المقام عن جماعة ، حيث قال : العمل بالاحتياط غير لازم ، و صار آخرون إلى لزومه ، و فصّل آخرون « 1 » ، انتهى .
و حكي عن المعالم نسبته إلى جماعة .
فالظاهر أن المسألة خلافيّة ، لكن لم يعرف القائل به بعينه ، و إن كان يظهر من الشيخ « 2 » و السيدين « 3 » التمسّك به أحيانا ، لكن يعلم مذهبهم من أكثر المسائل .
و الأقوى فيه : جريان أصالة البراءة للأدلّة الأربعة المتقدّمة ، مضافا إلى الإجماع المركب .
هامش
( 1 ) . المعارج : 216 .
( 2 ) . المبسوط 1 : 15 و 59 .
( 3 ) . الانتصار : 103 ، 143 ، 146 و 148 و الغنية : 55 ، 58 ، 59 و 63 .