متن :
أقول : كأنّ مطلبه أنّ هذه الرواية و أمثالها مخصّصة لعموم ما دلّ على وجوب التوقّف و الاحتياط في مطلق الشبهة ، و إلّا فجريان أصالة الإباحة في الشبهة الموضوعيّة لا ينفي جريانها في الشبهة الحكميّة .
مع أن سياق أخبار التوقف و الاحتياط يأبى عن التخصيص ، من حيث اشتمالها على العلّة العقليّة لحسن التوقف و الاحتياط - أعني الحذر من الوقوع في الحرام و الهلكة - فحملها على الاستحباب أولى .
ثم قال :
و منها : قوله صلّى اللّه عليه و آله : « حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات » « 1 » ، و هذا إنّما ينطبق على الشبهة في نفس الحكم ، و إلّا لم يكن الحلال البيّن و لا الحرام البيّن ، و لا يعلم أحدهما من الآخر إلّا علّام الغيوب ، و هذا ظاهر واضح « 2 » .
أقول : فيه - مضافا إلى ما ذكرنا ، من إباء سياق الخبر عن التخصيص - : أن رواية التثليث - الّتي هي العمدة من أدلّتهم - ظاهرة في حصر ما يبتلي به المكلّف من الأفعال في ثلاثة ، فإن كانت عامة للشبهة الموضوعيّة أيضا صحّ الحصر ، و إن اختصّت بالشبهة الحكميّة كان الفرد الخارجي المردّد بين الحلال و الحرام قسما رابعا ، لأنّه ليس حلالا بيّنا و لا حراما بيّنا و لا مشتبه الحكم .
و لو استشهد بما قبل النبوي ، من قول الصادق عليه السّلام : « إنّما الأمور ثلاثة » ، كان ذلك أظهر في الاختصاص بالشبهة الحكمية ، إذ المحصور في هذه الفقرة الأمور الّتي يرجع فيها إلى بيان الشارع ، فلا يرد إخلاله بكون الفرد الخارجي المشتبه أمرا رابعا للثلاثة .
و أمّا ما ذكره من المانع لشمول النبويّ للشبهة الموضوعيّة : من أنّه لا يعلم الحلال من الحرام إلّا علّام الغيوب ، ففيه :
أنّه إن أريد عدم وجودهما ، ففيه ما لا يخفى . و إن اريد ندرتهما ففيه : أن النّدرة تمنع من اختصاص النبوي بالنادر لا من شموله له . مع أن دعوى كون الحلال البيّن من حيث الحكم أكثر من الحلال البيّن من حيث الموضوع قابلة للمنع ، بل المحرّمات الخارجية المعلومة أكثر بمراتب من المحرّمات الكليّة المعلوم تحريمها .
هامش
( 1 ) . الوسائل 18 : 114 ، الباب 12 من أبواب صفات القاضى ، الحديث 9 .
( 2 ) . الفوائد الطوسيّة : 519 .