تصوف الإمام ابن تيمية عقلي لا ذوقي :
وقولنا : إن الإمام ابن تيمية لا ذوق له في التصوف ، وقد كتب فيه مجلدا ، يعتمد على ما كتبه في هذا الموضوع ، فكلامه كله عقلي ، نقله عن قصارى فهمه في بعض كلام القوم ، ولا يترجم فيه عن الأحوال والمواجيد التي هي الأذواق ، ومثال ذلك كلامه في المجلد العاشر من فتاويه عن الفناء ، وهو أمر ذوقي محض ، فقسمه إلى ثلاث مراتب : الفناء الأول ، ثم الفناء الثاني وهو فناء القلب عن شهود ما سوى الرب ، والفناء الثالث الذي سبق كلامنا عليه ، وهو الفناء عن وجود السوى ، فكان الذي ذكره الإمام هو مبلغ علمه وفهمه في ذلك ، ولو رجع الإمام ابن تيمية إلى الفتوحات المكية ، التي يشير إليها في فتاويه ، حتى ليخيل لقارئها أنه استوعب ما جاء في الفتوحات ، ولو وقف على معنى الفناء عند الشيخ الأكبر ، وعند الصوفية والمحققين من أمثاله - وقد ورد ذلك في الباب العشرين ومائتين من الفتوحات ، في معرفة الفناء وأسراره - لرجع ابن تيمية عن كلامه ، ولازداد علما ومعرفة بتقسيم الفناء عند رجال اللّه ، ولما وجد كلمة واحدة يردها أو يرد بها ما قاله الشيخ الأكبر ، الذي يقول في هذا الباب - من المجلد الثاني : اعلم أن الفناء عند الطائفة يقال بإزاء أمور ، فمنهم من قال : إن الفناء فناء المعاصي ، ومن قائل : الفناء رؤية العبد فعله بقيام اللّه على ذلك ، وقال بعضهم : الفناء فناء عن الخلق ؛ وهو عندهم على طبقات ، منها الفناء عن الفناء أوصله بعضهم إلى سبع طبقات ؛ فاعلموا أيدنا اللّه وإياكم بروح القدس ، أن الفناء لا يكون إلا عن كذا ، كما أن البقاء لا يكون إلا بكذا ومع كذا ، فعن للفناء لا بد منه ، ولا يكون الفناء في هذا الطريق عند الطائفة إلا عن أدنى بأعلى ، وأما الفناء عن الأعلى فليس هو اصطلاح القوم ، وإن كان يصح لغة ، فأما الطبقة الأولى في الفناء ، فهي أن تفنى عن المخالفات ، فلا تخطر ببالك عصمة وحفظا إلهيا . . وهذا معنى قول بعضهم في الفناء : إنه فناء المعاصي « وأما النوع الثاني » من الفناء فهو الفناء عن أفعال العباد بقيام اللّه على ذلك ، من قوله
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
فيرون الفعل للّه من خلف حجب الكون ، التي هي محل ظهور الأفعال فيها . . . « وأما النوع الثالث » فهو الفناء عن صفات المخلوقين ، بقوله تعالى في الخبر المروي عنه « كنت سمعه وبصره » وكذا جميع صفاته ،