الجود من الباب التاسع والستين وثلاثمائة - هذه الخزانة فيها وجوب تأخر العبد عن رتبة سيده ، وتخليص عبوديته للّه من غيره ، كما أقر له بذلك في قبضة الذرية ، يريد الحق أن يستصحبه ذلك الإقرار في حياته الدنيا ، موضع الحجاب والستر ، فإن الحق له التقدم على الخلق ، بالوجود من جميع الوجوه ، وبالمكانة والرتبة ، فكان ولا مخلوق ، هذا تقدم الوجود ، وقدر وقضى ، وحكم وأمضى ، إمضاء لا يرد ولا يقضى عليه ، فهذا تقدم الرتبة ، فما تشاؤون إلا أن يشاء اللّه أن تشاؤوا ، فوجب التأخر عن رتبة الحق من جميع الوجوه ، فإن العبد أعطي الكثرة لتكون الأحدية له تعالى ، وأعطي كل مخلوق أحدية التمييز ، لتكون عنده الأحدية ذوقا ، فيعلم أن ثمّ أحدية ، ليعلم منها الأحدية الإلهية ، حتى يشهد بها للّه تعالى ، إذ لو لم يكن لمخلوق أحدية ذوقا يتميز بها عما سواه ، ما علم أن للّه أحدية يتميز بها عن خلقه ، فلا بد منها ، فللكثرة أحدية الكثرة ، ولكل عدد أحدية لا تكون لعدد آخر ، كالاثنين والثلاثة إلى ما فوق ذلك ، مما لا يتناهى وجودا عقليا ، فلكل كثرة من ذلك أحدية تخصه ، وعلى كل حال ، أوجب الحق على عبده أن يتأخر عن رتبة خالقه ، كما أخر سبحانه علمنا به عن علمنا بأنفسنا ، فوجود العلم المحدث به ، متأخر بالوجود عن وجود العلم المحدث بنا ، وجعل المفاضلة في العالم بعضه على بعض ، لنعرف المفاضلة ذوقا من نفوسنا ، فنعلم من ذلك فضل الحق علينا ، وإن تأخر علمنا به عن علمنا بنفوسنا ، لنعلم أن علمنا بنفوسنا إنما كان للدلالة على علمنا به ، فعلمنا أنا مطلوبون له لا لأنفسنا وأعياننا ، لأن الدليل المطلوب للمدلول ، لا لنفسه ، ولهذا لا يجتمع الدليل والمدلول أبدا ، فلا يجتمع الخلق والحق أبدا في وجه من الوجوه ، فالعبد عبد لنفسه ، والرب رب لنفسه ، فالعبودية لا تصح إلا لمن يعرفها ، فيعلم أنه ليس فيها من الربوبية شيء ، والربوبية لا تصح إلا لمن يعرفها ، فيعرف أنه ليس فيها من العبودية شيء ، فأوجب على عباده التأخر عن ربوبيته ، فشرع له الصلاة ليسميه بالمصلي ، وهو المتأخر عن رتبة ربه ، ونسب الصلاة إليه تعالى ، ليعلم أن الأمر يعطي تأخر العلم الحادث به عن العلم الحادث بالمخلوق ، فقال
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ
وقال
فَصَلِّ لِرَبِّكَ
ولما علمنا أنه من تأخر عن أمر فقد انقطع عنه ، علمنا أن كل واحد قد تميز في رتبته عن الآخر بلا شك ، وإن أطلق على كل واحد ما أطلق على الآخر ، فيتوهم