تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
صحيح الدعوى ، فإن اللّه غني عن العالمين ، وهذا المشهد كان للصديق ، فإنه قال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فأثبت أنه رآه ولا شيء ، ثم أقيم في مشهد آخر ، فرأى صدور الشيء عنه ، وقد كان رآه ولا شيء ، فجعل تلك الرؤية قبل هذا الشهود ، فقال : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فقد أبنت لك الأمر على ما هو عليه « وأما النوع السابع من الفناء » « 1 » فهو الفناء عن صفات الحق ونسبها ، وذلك لا يكون إلا بشهود ظهور العالم عن الحق ، لعين هذا الشخص ، لذات الحق ونفسه لا لأمر زائد يعقل ، ولكن لا من كونه علة ، كما يراه بعض النظار ، ولا يرى الكون معلولا ، وإنما يراه حقا ظاهرا في عين مظهر ، بصورة استعداد ذلك المظهر في نفسه ، فلا يرى للحق أثرا في الكون ، فما يكون له دليل على ثبوت نسبة ولا صفة ولا نعت ، فيفنيه هذا الشهود عن الأسماء والصفات والنعوت ، بل إن حققه يرى أنه محل التأثير ، حيث أثر فيه استعداد الأعيان الثابتة من أعيان الممكنات ، ومما يحقق هذا كونه تعالى وصف نفسه - في كتابه وعلى ألسنة رسله - بما وصف به المخلوقات المحدثات ، وإما أن تكون هذه الصفات في جنابه حقا ثم نعتنا بها ، وإما أن تكون لنا حقا ونعت نفسه بها توصلا لنا ، وخبره بها صدق لا كذب ، وإن كنا نحن فيها الأصل فهو مكتسب ، وإن كان هو الأصل فقد كسبنا إياها ، وهذه من أغمض نتائج العلم باللّه ، فإنه أضاف إليه نعوت المحدثات كلها بإخبار قديم أزلي ، فمنها ما أشار به في إخباره بأنه مكتسب لبعضها ، مثل قوله
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
ومنها ما ذكره ولم يقيده باكتساب ولا غيره ، ومن هذا الباب
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
و
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
« واسألوني أعطكم ، واستغفروني أغفر لكم ، واذكروني أذكركم » وأما قولهم الفناء عن الفناء ، فما هو نوع ثامن ، وإنما هو الفاني إذا لم يعلم في فنائه أنه فان ، فذلك الفناء عن الفناء ، كصاحب الرؤيا الذي لا يعلم أنه في الرؤيا ، فهو حال تابع في كل نوع يقوم من أنواع الفناء ، وحال الفناء لا ينال بتعمل ، أي لا يقصد ، وأدناه درجة حكمه في المتفكر ، فإذا استغرق الإنسان الفكر في أمر ما من أمور الدنيا ، أو في مسألة من العلم ، فتحدثه ولا يسمعك ، وتكون بين يديه ولا يراك ، وترى في عينه جمودا في تلك الحالة ، فإذا عثر على مطلوبه أو طرأ أمر يرده إلى إحساسه ، حينئذ يراك ويسمعك ، فهذه
هامش
( 1 ) وهو الفناء عن المذكور بالمذكور - راجع مواقع النجوم ص 111 .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 101 | محمود محمود الغراب