والسمع والبصر وغير ذلك من أعيان الصفات التي للعبد أو للخلق . . . « وأما النوع الرابع » من الفناء فهو الفناء عن ذاتك ، وتحقيق ذلك أن تعلم أن ذاتك مركبة من لطيف وكثيف ، وأن لكل ذات منك حقيقة وأحوالا تخالف بها الأخرى ، وأن لطيفتك متنوعة الصور مع الآنات في كل حال ، وأن هيكلك ثابت على صورة واحدة ، وإن اختلفت عليه الأعراض ، فإذا فنيت عن ذاتك بمشهودك ، الذي هو شاهد الحق من الحق وغير الحق ، ولا تغيب في هذه الحال عن شهود ذاتك فيه ، فما أنت صاحب هذا الفناء ، فإن لم تشهد ذاتك في هذا الشهود ، وشاهدت ما شاهدت ، فأنت صاحب هذا النوع من الفناء ، وإنما قلنا : شاهدت ما شاهدت ، ولم نخصص شهود الحق وحده ، فإن صاحب هذا الفناء قد يكون مشهوده كونا من الأكوان ، وهو حال يعصم ذات الإنسان من التأثر . . فإن شاهدت في هذا الفناء تنوع ذاتك اللطيفة ، ولم تشاهد معها سواها ، ففناؤك عنك بك لا بسواك ، فأنت فان عن ذاتك ولست فانيا عن ذاتك ، فإنك لك بك مشهود من حيث لطيفتك ، وإنك لك بك مفقود من حيث هيكلك ، فإن شاهدت مركبك في حال هذا الفناء ، فمشهودك خيال ومثال ، وما هو عينك ولا غيرك ، بل حالك في هذا الفناء حال النائم صاحب الرؤيا « وأما النوع الخامس من الفناء » وهو فناؤك عن كل العالم بشهودك الحق أو ذاتك . . وهذا النوع يقرب من الرابع في الصورة ، وإن كان يعطي من الفائدة ما لا يعطيه النوع الرابع المتقدم « وأما النوع السادس » « 1 » فهو أن تفنى عن كل ما سوى اللّه باللّه ولابد ، وتفنى في هذا الفناء عن رؤيتك ، فلا تعلم أنك في حال شهود حق ، إذ لا عين لك مشهودة في هذا الحال ، وهنا يطرأ غلط لبعض الناس من أهل هذا الشأن ، وأبينه لك إن شاء اللّه حتى يتخلص لك المقام ، وإن اللّه ألهمني لهذا البيان ، وذلك أن صاحب هذا الحال ، إذا فني عن كل ما سوى اللّه بشهود اللّه فيما يقول ، فلا يخلو في شهوده ذلك ، إما أن يرى الحق في شؤونه ، أو لا يراه في شؤونه ، فإنه لا يزال في شؤون ، إذ لا غيبة له عن العالم ولا عن أثر فيه ، فإن شاهده في شؤونه فما فني عن كل ما سوى اللّه ، وإن شاهده في غير شؤونه بل في غناه عن العالم ، فهو
هامش
( 1 ) وهو الفناء عن الذكر بالمذكور - راجع مواقع النجوم ص 161 .