أدنى درجاته في العالم ، وسبب ذلك ضيق المحدثات ، فإنه لا شيء أوسع من حقيقة الإنسان ، ولا شيء أضيق منها ، فأما اتساع القلب فإنه لا يضيق عن شيء ، ولكن عن شيء واحد ، وأما ضيقه فإنه لا يسع خاطرين معا ، فإنه أحدي الذات ، فلا يقبل الكثرة ، فهو من حيث هذه الحقيقة في الحكم الإلهي في معنى قوله
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
وفي الرتبة الأخرى قوله « فأحببت أن أعرف » وهذا القدر كاف في معرفة هذا الباب .
هذا هو الفناء عند الشيخ الأكبر مفصلا ، شارحا فيه جميع أحوال الصوفية ، الذين هم على طريق الحق ، فهل تجد في ذلك شيئا مما قاله الإمام ابن تيمية من أن القوم قالوا أو أرادوا أن اللّه هو الوجود ، وأنه لا وجود لسواه ، لا به ولا بغيره ؟ لا تجد ذلك أبدا لا في كلام الشيخ الأكبر ولا في كلام المحققين ، ولا أعلم من أين نسب إليهم الإمام ابن تيمية هذا الأمر ، مع وجود هذه النصوص التي أوردناها ، وعجزه عن تقديم أية عبارة يؤيد بها ما نسبه إلى هؤلاء السادة ؟ !
رد قول الإمام ابن تيمية من أن الشيخ الأكبر يقول بالاتحاد :
ومن أوضح الأدلة على أن الإمام ابن تيمية لم يقرأ ، وإن كان قد قرأ ، فإنه لم يفهم ما جاء به الشيخ الأكبر ، أن الإمام ابن تيمية عندما يتحدث عن الشيخ الأكبر في فتاويه ، يسميه بإمام الاتحادية ، حيث ينسب إليه بالباطل أنه - كما سبق أن ذكرنا - يقول : إن وجود المحدث هو عين وجود القديم ؛ ويقول في فتاويه في المجلد العاشر الصفحة 95 « وأما الاتحاد المطلق ، الذي هو قول أهل وحدة الوجود ، الذين يزعمون أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق ، فهذا تعطيل للصانع ، وجحود له ، وهو جامع لكل شرك » إ ه . فهل قرأ ابن تيمية ماذا يعني الشيخ الأكبر بالاتحاد ؟ وهل فهم معناه ؟ هذا ما نشك فيه ، فإننا نجد أن الشيخ الأكبر يذم الاتحاد ، الذي هو عند أهل السنة والجماعة كفر صريح ويحذر منه ، فيقول « 1 » :
في الفتوحات المكية الجزء الثاني الصفحة 138 : عيون المعارف سدها اللّه في العموم ،
هامش
( 1 ) للشيخ رضي اللّه عنه رسالة اسمها الاتحاد ، توجد نسخة خطية منها مؤلفة عام 621 ه وعليها سماع للشيخ موجودة في مكتبة شهيت علي باشا تحت رقم 2813 26 - 23 ب .