وإن قال بعض الناس إن المرسل حجة ، فهذا لم يعلم أن المرسل هو مثل الضعيف ، ا ه - ثم يتأول القول الثاني لأبي سليمان وهو « أرجو أن أكون قد عرفت طرفا من الرضا ، لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا » فقال ابن تيمية : فيتبين بذلك أن ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا ، وإنما هو عزم على الرضا . ا ه - فاستخدم ابن تيمية مصطلحات الحديث ، لرد كلام أورده القشيري في كتابه عن أبي سليمان الداراني ، ووصف بأن هذا الكلام مرسل ، فهو كالحديث المرسل ، فضعفه ونفاه ، ثم تأول القول الثاني تأولا حسنا ، ونحن لا ننكر عليه تأويل الكلام إلى جانب الخير والذوق الرفيع ، ولكن ننكر عليه أن لا يستخدم ذلك في كل المواطن بالعدل ، فهل أسند إليه كلام عن الحلاج ، أو عن الشيخ الأكبر ابن العربي ، أو عن ابن سبعين ، أو عن القونوي ، وعن كل من طعن فيه وكفره ، حتى يثبت لديه كلام أبي سليمان الداراني وغيره ، ومثال على ذلك هو ما يقوله ابن تيمية ، في الصفحة 342 من المجلد العاشر عند الكلام على الفناء ، حيث يقول : « الثالث » فناء عن وجود السوى ، بمعنى أنه يرى أن اللّه هو الوجود ، وأنه لا وجود لسواه لا به ولا بغيره ، وهذا القول والحال للاتحادية الزنادقة من المتأخرين ، كالبلياني والتلسماني والقونوي ونحوهم ، الذين يجعلون الحقيقة أنه عين الموجودات وحقيقة الكائنات ، وأنه لا وجود لغيره ، لا بمعنى أن قيام الأشياء به ، ووجودها به « 1 » ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد « ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وكما قيل في قوله
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
فإنهم لو أرادوا ذلك لكان ذلك هو الشهود الصحيح ، لكنهم يريدون أنه هو عين الموجودات ، فهذا كفر وضلال . ا ه - فكيف حكم ابن تيمية على هؤلاء الناس ، أنهم لا يريدون الصحيح ويريدون الكفر والضلال ، ولم يتأول كلامهم إلى الوجه الصحيح ؟ ولما كان هؤلاء السادة الذين ذكرهم ابن تيمية ، هم القائلون بكلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي والمعتقدين لعقيدته ، ويعتبره ابن تيمية إمام الاتحادية ، حيث ينسب إليه القول بأن وجود المحدث هو عين وجود القديم ، فإليك ما يدحض قول الإمام ابن تيمية ، ويثبت أن هؤلاء السادة وعلى رأسهم الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ، أرادوا الصحيح الذي نفاه عنهم ، ولم يقولوا الباطل الذي نسبه إليهم .
هامش
( 1 ) راجع كلام الشيخ الأكبر ص 98 الجزء الأول ص 279 .