في باطنه - من المعرفة شيء لقوته ، إلا يوم مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لكون اللّه أهله دون الجماعة للإمامة والتقدم ، والإمام لابد أن يكون صاحيا لا يكون سكرانا ، فقامت له تلك القوة في الدلالة على أن اللّه قد جعله مقدم الجماعة ، في الخلافة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . . الخ .
الجزء الثالث الصفحة 372 : وعرف الناس حينئذ فضل أبي بكر على الجماعة ، فاستحق الإمامة والتقديم ، فما بايغه من بايعه سدى ، وما تخلف عن بيعته إلا من جهل منه ما جهل أيضا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو من كان في محل نظر في ذلك ، أو متأولا ، فإنه رضي اللّه عنه قد شهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بفضله على الجماعة ، بالسر الذي وقر في صدره ، فظهر حكم ذلك السر في ذلك اليوم ، وليس إلا ما ذكرناه ، وهو استيفاء مقام العبودة ، بحيث أنه لم يخل منه بشيء في حقه وفي حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعلم محمد صلى اللّه عليه وسلم أن أبا بكر الصديق مع من دعاه إليه وهو اللّه تعالى ، ليس معه إلا بحكم أنه يرى ما يخاطبه الحق سبحانه به على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، في كل خطاب يسمعه منه ، بل من جميع من يخاطبه ، وقد علّمه الحق في نفسه ميزان ما يقبل من خطابه وما يرد ، ونرجو إن شاء اللّه أن يكون مقامنا هذا ، ولا يجعلها دعوى غير صادقة ، فإني ذقت هذا المقام ذوقا لا مزاج فيه ، أعرفه من نفسي ، وما سمعته عن أحد ممن تقدمني بالزمان غير أبي بكر الصديق ، إلا واحدا من الرجال المذكورين في رسالة القشيري ، فإنه حكى عنه أنه قال : « لو اجتمع الناس أن ينزلوا نفسي منزلتها مني من الخسة ، لم يستطيعوا ذلك » وهذا ليس إلا لمن ذاق طعم العبودة ، لغيره لا يكون ، ولما شهدت لي جماعة أني على قدم أبي بكر الصديق من الصحابة ، علمت أنه ليس إلا مقام العبودة المحضة ، للّه الحمد والشكر على ذلك .
هذا ما وجدناه في الفتوحات المكية عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وأما في كتاب القربة للشيخ الأكبر رضي اللّه عنه فيقول ما نصه :
اعلموا أن كثيرا من أهل طريقتنا كأبي حامد الغزالي وغيره ، تخيل أنه ليس بين الصديقية والرسالة مقام ، وأنه من تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة ، وبابها مسدود عندنا دوننا ، فلا سبيل إلى تخطيهم ، لكن لنا المزاحمة معهم في صفتهم ، هذا غايتنا ، ولسنا نعني بالصديق أبا بكر ولا عمر ولا أحدا رضي اللّه عنهم ، فإن أبا بكر من جملة أحواله كونه
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 88
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٨٨