تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
الشيخ الأكبر في الباب الثالث والسبعين : اعلم أيدنا اللّه وإياك بروح منه ، أن هذا الباب يتضمن أصناف الرجال الذين يحصرهم العدد ، والذين لا توقيت لهم ، ويتضمن المسائل التي لا يعلمها إلا الأكابر من عباد اللّه ، الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء في زمان النبوة ، وهي النبوة العامة ، فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما هي نبوة التشريع لا مقامها ، فلا شرع يكون ناسخا لشرعه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يزيد في حكمه شرعا آخر ، وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي ، أي لا نبي بعدي يكون على شرع يخالف شرعي ، بل إذا كان يكون تحت حكم شريعتي ، ولا رسول ، أي لا رسول بعدي إلى أحد من خلق اللّه بشرع يدعوهم إليه ، فهذا هو الذي انقطع وسد بابه ، لا مقام النبوة ، فإنه لا خلاف أن عيسى عليه السلام نبي ورسول ، وأنه لا خلاف أنه ينزل في آخر الزمان حكما مقسطا عدلا ، بشرعنا لا بشرع آخر ، ولا بشرعه الذي تعبد اللّه به بني إسرائيل ، من حيث ما نزل هو به ، بل ما ظهر من ذلك هو ما قرره شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ونبوة عيسى عليه السلام ثابتة له محققة ، فهذا نبي ورسول قد ظهر بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهو المراد بقولهم : إن النبوة غير مكتسبة ، وأما القائلون باكتساب النبوة ، فإنهم يريدون بذلك حصول المنزلة عند اللّه ، المختصة من غير تشريع ، لا في حق أنفسهم ولا في حق غيرهم ، فمن لم يعقل النبوة سوى عين الشرع ونصب الأحكام ، قال بالاختصاص ومنع الكسب ، فإذا وقفتم على كلام أحد من أهل اللّه أصحاب الكشف ، يشير بكلامه إلى الاكتساب - كأبي حامد الغزالي وغيره - فليس مرادهم سوى ما ذكرناه ، وقد بينا هذا في فصل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم في آخر باب الصلاة من هذا الكتاب ، وهؤلاءهم المقربون الذين قال اللّه فيهم
عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
وبه وصف اللّه نبيه عيسى عليه السلام فقال
وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
وبه وصف الملائكة فقال
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ومعلوم قطعا أن جبريل كان ينزل بالوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يطلق عليه في الشرع اسم نبي ، مع أنه بهذه المثابة ، فالنبوة مقام عند اللّه يناله البشر ، وهو مختص بالأكابر من البشر ، يعطى للنبي المشرع ، ويعطى للتابع لهذا النبي المشرع الجاري على سنته ، قال تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا
فإذا نظر إلى هذا المقام بالنسبة إلى التابع ، وأنه باتباعه حصل له