والنفي يقابل الإثبات ، فرمانا هذا النظر في الحيرة كما رمانا التنزيه ، والحيرة لا تعطي شيئا ، فالنظر العقلي يؤدي إلى الحيرة ، والتجلي يؤدي إلى الحيرة ، فما ثمّ إلا حائر ، وما ثمّ حاكم إلا الحيرة ، وما ثمّ إلا اللّه ، كان بعضهم إذا تقابلت عنده هذه الأحكام في سره ، يقول :
يا حيرة ، يا دهشة ، يا حرقا لا يتقرى ؛ وما هذا الحكم لحضرة أخرى غير هذه الحضرة الحضرة الإلهية .
الجزء الرابع الصفحة 245 : ما أثنى اللّه بشيء على أحد من المخلوقين ، إلا وفيه تنبيه لمن لم يحصل له ذلك الأمر ، أن يتعرض لتحصيله جهد الاستطاعة ، فإن الباب مفتوح ، والجود ما فيه بخل ، وما بقي العجز إلا من جهة الطالب ، ولهذا يقول : من يدعوني فأستجيب له ؛ ومن نكرة ، فما وقع العجز إلا منا ، وهنا الحيرة ، لأنا ما ندعوه إلا بتوفيقه ، وتوفيقه إيانا لذلك من عطائه وجوده ، واستعداد كنا عليه ، به قبلناه فتأهلنا لدعائه .
الجزء الرابع من الفتوحات الصفحة 280 : صدّق اللّه هؤلاء الخواص في حيرتهم ، بقوله لأخص خلقه علما ومعرفة
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فنفى عين ما أثبت ، فما أثبت وما نفى ؟ فأين العامة من هذا الخطاب ؟ فالعلم باللّه حيرة ، والعلم بالخلق حيرة ، وقد حجّر النظر في ذاته وأطلقه في خلقه ، فالهداة في النظر في الخلق ، لأنه الهادي وقد هدى ، والعمى في النظر في الحق ، فإنه قد حجر وجعله سبيل الردى ، وهذا خطاب خاطب به العقلاء . . . فما زادهم إلا إيمانا بالحيرة وتسليما لحكمها . . ثم إنه من أعظم الحيرة في الحق ، أن الحق له الوجود الصرف ، فله الثبوت ، وصور التجلي حق بلا شك ، وما لها ثبوت وما لها بقاء ، ما من صورة يتجلى فيها إلا إذا ذهبت ، ما لها رجوع ولا تكرار .
فهل هذا الذي قاله الشيخ محي الدين ابن العربي ، في كتابه الفتوحات المكية المكتوب بخط يده ، في شرح مفهوم الحيرة عند العارفين ، يتفق مع ما نقله الإمام ابن تيمية من أن الشيخ ابن العربي يقول : إن الحيرة أفضل من الاستقامة ، مع تفسير الإمام ابن تيمية بأن الحيرة هي من جنس الجهل والضلال .
الفرق بين العلم والحال عند الشيخ الأكبر :
وإليك ما قاله الشيخ الأكبر في العلم ، والفرق بينه وبين الحال ، الذي هو نفوذ