تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
لننظر بها فيما يعرفنا بأنفسنا وبه ، فاقتضى حكم هذه القوة ، أن لا مماثلة بيننا وبينه سبحانه وتعالى من وجه من الوجوه ، إلا استنادنا إليه في إيجاد أعياننا خاصة ، وغاية ما أعطى التنزيه إثبات النسب له ( بكسر النون ) بنا ، لما نطلبه من لوازم وجود أعياننا ، وهي المسمى بالصفات ، فإن قلنا : إن تلك النسب أمور زائدة على ذاته ، وإنها وجودية ، ولا كمال له إلا بها ، وإن لم تكن ، كان ناقصا بالذات ، كاملا بالزائد الوجودي ، وإن قلنا : ما هي هو ولا هي غيره ، كان خلفا من الكلام ، وقولا لا روح فيه ، يدل على نقص عقل قائله ، وقصوره في نظره ، أكثر من دلالته على تنزيهه ، وإن قلت : ما هي هو ، ولا وجود لها ، وإنما هي نسب ، والنسب أمور عدمية ، جعلنا العدم له أثر في الوجود ، وتكثرت النسب لتكثر الأحكام التي أعطتها أعيان الممكنات ، وإن لم نقل شيئا من هذا كله ، عطلنا حكم هذه القوة النظرية ، وإن قلنا : إن الأمور كلها لا حقيقة لها ، وإنما هي أوهام وسفسطة ، لا تحوي على طائل ، ولا ثقة لأحد بشيء منها ، لا من طريق حسي ولا فكري عقلي ، فإن كان هذا القول صحيحا ، فقد علم ، فما هذا الدليل الذي أوصلنا إليه ؟ وإن لم يكن صحيحا ، فبأي شيء علمنا أنه ليس بصحيح ؟ فإذا عجز العقل عن الوصول إلى العلم بشيء من هذه الفصول ، رجعنا إلى الشرع ، ولا نقبله إلا بالعقل ، والشرع فرع عن أصل علمنا بالشارع ، وبأي صفة وصل إلينا وجود هذا الشارع ، وقد عجزنا عن معرفة الأصل ، فنحن عن الفرع وثبوته أعجز ، فإن تعامينا وقبلنا قوله إيمانا ، لأمر ضروري في نفوسنا لا نقدر على دفعه ، سمعناه ينسب إلى اللّه أمورا تقدح فيها الأدلة النظرية ، وبأي شيء منها تمسكنا قابله الآخر ، فإن تأولنا ما جاء به لنرده إلى النظر العقلي ، فنكون قد عبدنا عقولنا ، وحملنا وجوده تعالى على وجودنا ، وهو لا يدرك بالقياس ، فأدانا تنزيهنا إلهنا إلى الحيرة ، فإن الطرق كلها قد تشوشت ، فصارت الحيرة مركزا ، إليها ينتهي النظر العقلي والشرعي ، وأما العبادة فمن حيث هي ذاتية ، فليست سوى افتقار الممكن إلى المرجح ، وإنما أعني بالعبادة التكليف ، والتكليف لا يكون إلا لمن له الاقتدار على ما كلّف به من الأفعال ، أو مسك النفس في المنهيات عن ارتكابها ، فمن وجه ننفي الأفعال عن المخلوق ونردها إلى المكلّف ، والشيء لا يكلف نفسه ، فلا بد من محل يقبل الخطاب ليصح ، ومن وجه نثبت الأفعال للمخلوق بما تطلبه حكمة التكليف ،