حيرة من حيرة صدرت * ليت شعري ثمّ من لا يحار
أنا إن قلت أنا قال لا * وهو إن قال أنا لا يعار
أنا مجبور ولا فعل لي * والذي أفعله باضطرار
والذي أسند فعلي له * ليس في أفعاله بالخيار
فأنا وهو على نقطة * ثبتت ليس لها من قرار
فقد أوقفناك بما ذكرناه في هذا الباب على ما يزيدك حيرة فيه .
هذا هو فهم الشيخ الأكبر في معنى الحيرة ، مفصل غير متشابه ، وهو الذي سأل عنه السائل ابن تيمية ، وهو مقصود كلام محمد بن الفضل والإمام الجنيد وذي النون وغيرهم ، فأين الثرى من الثريا ! ! كلام كله توحيد ، وارتقاء في الشهود والعرفان ، وهذا هو ما سبق وقلناه : إن السائل أراد أن يبين مدى معرفة الإمام ابن تيمية ، ويكشف لأهل الطريق أن الإمام ابن تيمية ليس له ذوق ولا شهود في هذا الشأن .
ونزيدك إيضاحا وتكرارا لكلام الشيخ الأكبر في معنى الحيرة ، فنقول جاء في الجزء الأول من الفتوحات الصفحة 420 : وقوله : « ومن أتاني يسعى أتيته هرولة » وأمثال هذه ، فإن العقل السليم يحار في مثل هذه الأخبار ويتيه ، فهذا معنى يضل أي يحير العقول بمثل هذه الخطابات - الصادرة من اللّه على ألسنة الرسل الصادقة - المجهولة الكيفية ، ولا يتمكن للعقل أن يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك ، مما لا يليق بالمفهوم ، ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلا لنفهم عنه ، والمفهوم من هذه الأمور يستحيل عليه سبحانه ، من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث ، إما من طريق المعنى المحدث ، أو من طريق الحس ، ولا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب ، فيحار ، فثمّ حيرة يخرج عنها العبد ويتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية « 1 » ، وثمّ حيرة لا يتمكن له الخروج عنها ، بمجرد ما أعطى اللّه للعقل من أقسام القوة التي أيده اللّه بها ، فيحار الدال في المدلول لعزة الدليل « 2 » ،
هامش
( 1 ) يعني الشيخ بالحيرة هنا الضلالة فيخرج منها العبد إلى الاستقامة بالعناية الإلهية .
( 2 ) يريد الشيخ بالحيرة هنا هذا العلم الذي سبق الإشارة إليه .