لا يتقارب ، فإن أصحاب الأفكار ما برحوا بأفكارهم في الأكوان ، فلهم أن يحاروا ويعجزوا ، وهؤلاء ارتفعوا عن الأكوان ، وما بقي لهم شهود إلا فيه ، فهو مشهودهم ، والأمر بهذه المثابة ، فكانت حيرتهم باختلاف التجليات ، أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات عليه ، فقوله صلى اللّه عليه وسلم وقول من يقول من هذا المقام « زدني فيك تحيرا » طلب لتوالي التجليات عليه ، فهذا الفرق بين حيرة أهل اللّه وحيرة أهل النظر .
فباللّه يا أخي ، انظر ما قاله الإمام ابن تيمية في تخريجه كلام محمد بن الفضل - ص 50 من كتابي هذا - فهل تراه جاء بجديد على كلام الشيخ الأكبر ، أم أنه نقله ونسبه إلى نفسه بنفس استدلال الشيخ الأكبر بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا أحصي ثناء عليك ؟ - ص 53 ، ص 58 .
وإليك ما جاء في بعض كتب الشيخ رضي اللّه عنه .
جاء في كتاب التجليات : كيف تريد أن تعرف بعقلك من عين مشاهدته عين كلامه ، وعين كلامه عين مشاهدته ؟ ومع هذا فإذا أشهدك لم يكلمك ، وإذا كلمك لم يشهدك .
ويقول في كتاب التراجم : الحيرة لا تكون إلا فيمن لا يتكيف .
وفيه يقول : الحيرة قبل . الوصول ، والحيرة في الوصول ، والحيرة في الرجوع ، كيف لا تحار العقول والأسرار ، فيمن لا تقيده البصائر والأبصار ؟ !
وفيه أيضا يقول : لو جلى الحق نفسك لك لحرت .
ومن وجه آخر في الحيرة ، يقول الشيخ رضي اللّه عنه في الجزء الثاني الصفحة 607 من الفتوحات المكية :
ما في المسائل الإلهية ما تقع فيها الحيرة أكثر ولا أعظم من مسألة الأفعال - يعني نسبتها - ولا سيما في تعلق الحمد والذم بأفعال المخلوقين ، فيخرجها ذلك التعلق أن تكون أفعال المخلوقين لغير المخلوقين حال ظهورها عنهم ، وأفعال اللّه كلها حسنة في مذهب المخالف ، الذي ينفي الفعل عن المخلوق ، ويثبت الذم للفعل بلا خلاف ، ولا شك عنده في تعلق الذم بذلك الفعل من اللّه ، وسببه الكسب لما وقع مخالفا لحمد اللّه فيه ، مأمورا كان بفعله فلم يفعله ، أو منهيا عن فعله ففعله ، وهذا فيه ما فيه ، وفي مثل هذه المسائل قلت :
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 56
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٥٦