طرد ما قالوه وطردوه شاهدا وغائبا ، فلم يكن قولنا في اللّه : إنه عالم ؛ على حد ما نقول في الممكن الحادث إنه عالم ، من طريق حد العلم وحقيقته ، فإن نسبة العلم إلى اللّه تخالف نسبة العلم إلى الخلق الممكن ، ولو كان عين العلم القديم هو عين العلم المحدث ، لجمعهما حد واحد ذاتي ، أعني العلمين ، واستحال عليه ما يستحيل على مثله من حيث ذاته ، ووجدنا الأمر على خلاف ذلك ، فتعمّلت هذه الطائفة في تحصيل شيء مما وردت به الأخبار الإلهية من جانب الحق ، وشرعت في صقالة قلوبها بالأذكار وتلاوة القرآن ، وتفريغ المحل من النظر في الممكنات ، والحضور والمراقبة ، مع طهارة الظاهر بالوقوف عند الحدود المشروعة ، من غض البصر عن الأمور التي نهى أن ينظر إليها من العورات وغيرها ، وإرساله في الأشياء التي تعطيه الاعتبار والاستبصار ، وكذلك سمعه ولسانه ويده ورجله وبطنه وفرجه وقلبه ، وما ثمّ في ظاهره سوى هذه السبعة ، والقلب ثامنها ، ويزيل التفكر عن نفسه جملة واحدة ، فإنه مفرق لهمه ، ويعتكف على مراقبة قلبه عند باب ربه ، عسى اللّه أن يفتح له الباب إليه ، ويعلم ما لم يكن يعلم ، مما علمته الرسل وأهل اللّه ، مما لم تستقل العقول بإدراكه وأحالته ، فإذا فتح اللّه لصاحب هذا القلب هذا الباب ، حصل له تجل إلهي ، أعطاه ذلك التجلي بحسب ما يكون حكمه ، فينسب إلى اللّه منه أمرا ، لم يكن قبل ذلك يجرأ على نسبته إلى اللّه سبحانه ولا يصفه به ، إلا قدر ما جاءت به الأنباء الإلهية ، فيأخذها تقليدا ، والآن يأخذ ذلك كشفا ، موافقا مؤيدا عنده لما نطقت به الكتب المنزلة وجاء على ألسنة الرسل عليهم السلام ، فكان يطلقها إيمانا ، حاكيا من غير تحقيق لمعانيها ولا يزيد عليها ، والآن يطلق في نفسه عليه تعالى ذلك علما محققا ، من أجل ذلك الأمر الذي تجلى له ، فيكون بحسب ما يعطيه ذلك الأمر ، ويعرف معنى ما يطلقه وما حقيقة ذلك ، فيتخيل في أول تجل أنه قد بلغ المقصود وحاز الأمر ، وأنه ليس وراء ذلك شيء يطلب سوى دوام ذلك ، فيقوم له تجل آخر بحكم آخر ، ما هو ذلك الأول ، والمتجلي واحد لا يشك فيه ، فيكون حكمه فيه حكم الأول ، ثم تتوالى عليه التجليات باختلاف أحكامها فيه ، فيعلم عند ذلك أن الأمر ما له نهاية يوقف عندها ، ويعلم أن الإنية الإلهية ما أدركها ، وأن الهوية لا يصح أن تتجلى له ، وأنها روح كل تجل ، فيزيد حيرة ، لكن فيها لذة ، وهي أعظم من حيرة أصحاب الأفكار بما
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 55
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٥٥