قد أمرنا بالعلم بتوحيده ، وما أمرنا بالعلم بذاته ، بل نهى عن ذلك بقوله :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن التفكر في ذات اللّه تعالى ، إذ من ليس كمثله شيء ، كيف يوصل إلى معرفة ذاته ؟ فقال اللّه تعالى آمرا بالعلم بتوحيده
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
فالمعرفة به من كونه إلها ، والمعرفة بما ينبغي للإله أن يكون عليه من الصفات ، التي يمتاز بها عن من ليس بإله وعن المألوه ، هي المأمور بها شرعا ، فلا يعرف اللّه إلا اللّه ، فقامت الأدلة العقلية القاطعة ، على أنه إله واحد ، عند أهل النظر وأهل الكشف ، فلا إله إلا هو ، ثم بعد هذا الدليل العقلي على توحيده ، والعلم الضروري العقلي بوجوده ، رأينا أهل طريق اللّه تعالى من رسول ونبي وولي ، قد جاؤوا بأمور - من المعرفة بنعوت الإله في طريقهم - أحالتها الأدلة العقلية ، وجاءت بصحتها الألفاظ النبوية والأخبار الإلهية ، فبحث أهل الطريق عن هذه المعاني ، ليحصلوا منها على أمر يتميزون به عن أهل النظر ، الذين وقفوا حيث بلغت بهم أفكارهم ، مع تحققهم صدق الأخبار ، فقالوا : نعلم أن ثمّ طورا آخر وراء طور إدراك العقل الذي يستقل به ، وهو للأنبياء وكبار الأولياء ، به يقبلون هذه الأمور الواردة عليهم في الجناب الإلهي ، فعملت هذه الطائفة في تحصيل ذلك بطريق الخلوات والأذكار المشروعة ، لصفاء القلوب وطهارتها من دنس الفكر ، إذ كان المفكر لا يفكر إلا في المحدثات ، لا في ذات الحق ، وما ينبغي أن يكون عليه في نفسه الذي هو مسمى اللّه ، ولم يجد صفة إثبات نفسية ، فأخذ ينظر من كل صفة يمكن أن يقبلها المحدث الممكن ، يسلبها عن اللّه ، لئلا يلزمه حكم تلك الصفة كما لزمت الممكن الحادث ، مثل ما فعل بعض النظار من المتكلمين ، في أمور أثبتوها وطردوها شاهدا وغائبا ، ويستحيل على ذات الحق أن تجتمع مع الممكن في صفة ، فإن كل صفة يتصف بها الممكن يزول وجودها بزوال الموصوف بها ، أو تزول هي مع بقاء الممكن ، كصفات المعاني ، والأولى كصفات النفس ، ثم إن كل صفة منها ممكنة ، فإذا طردوها شاهدا وغائبا ، فقد وصفوا واجب الوجود لنفسه بما هو ممكن لنفسه ، والواجب الوجود لنفسه ، لا يقبل ما يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون ، فإذا بطل الاتصاف به من حيث حقيقة ذلك الوصف ، لم يبق إلا الاشتراك في اللفظ ، إذ قد بطل الاشتراك في الحد والحقيقة ، فلا يجمع صفة الحق وصفة العبد حد واحد أصلا ، فإذا بطل