أطلبهم لزيادة العلم والمعرفة ، فإن كثرة علمه ومعرفته توجب له الشعور بأمور لم يعرفها بعد ، بل هو حائر فيها ، طالب لمعرفتها والعلم بها ، ولا ريب أن أعلم الخلق باللّه قد قال « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » والخلق ما أوتوا من العلم إلا قليلا ، وما نقل عن الجنيد أنه قال : « انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة » فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد ، وفيه نظر هل قاله ؟ ! ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود ، فإن كان قد قاله فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه ، لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم ، فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا ، وهذا كلام مردود على من قاله . . إلى أن قال عن ذي النون . . وجعله الناس من الفلاسفة ، فما أدري هل قال هذا أم لا ؟ بخلاف الجنيد فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه . ا ه
الفرق بين الشيخ الأكبر وبين ابن تيمية في فهم الحيرة :
فنقول : إن الذي وجه هذا السؤال لابن تيمية واحد من العارفين ، أراد أن يكشف للناس ما عند الإمام ابن تيمية من الذوق والمعرفة ، لا في علم الحديث فحسب ، بل في المعاني والتصوف ، ويظهر لأهل الطريق أن تصوف ابن تيمية تصوف عقلي ونظري ، فقد اتضح من جواب الإمام ابن تيمية ، أنه حمل الحيرة هنا - المذكورة في الحديث الذي اعتبره مكذوبا ، وفي أقوال من استشهد بهم السائل من العارفين - على أنها الجهل والضلال وعدم العلم والريب ، فكشف السائل أن الإمام بعيد كل البعد عن الفهم والذوق والعرفان كما سيتضح بعد ؛ وقد أقحم ابن تيمية الشيخ الأكبر في رده ، مشيرا إلى أن الشيخ ابن عربي يجعل الضلال أفضل من الاستقامة والهدى ، ثم حشر ما أورده عن موضوع خاتم الأولياء حشرا في الإجابة ، وهو ما سنوضحه في ختام هذا الكتاب ، ثم فسر قول محمد بن الفضل « أعرف الناس باللّه أشدهم فيه تحيرا » بكلام بعيد كل البعد عن ظاهر العبارة ، وظاهر مدلول الحيرة عند ابن تيمية نفسه ، وأما عن الإمام الجنيد فانتحل له الأعذار ولم ينكر قوله ، بل تأوله على قدر فهمه هو ، حتى لا يطعن في الإمام الجنيد ، الذي قد شهد هو له بأنه من شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين ، وأنه أجل من أن يريد بالحيرة ما ذهب هو إلى