القيم : « هذا شهود ناقص مذموم » ويستطرد فيقول عن الإمام الهروي في ص 198 « ولا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام إهدار محاسنه ، وإساءة الظن به ، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك ، المحل الذي لا يجهل « 1 » » ثم ينسى ابن القيم مقالته ويقول في ص 205 « فإذا شهد ( أي العبد ) جريان الحكم ، وجعله فاعلا لما هو غير مختار له ، مريد بإرادته ومشيئته واختياره ، فكأنه مختار غير مختار ، مريد غير مريد ، شاء غير شاء ، فهذا يشهد عزة اللّه وعظمته وكمال قدرته » أه . فجعل هذا الشهود وهو من بعض مقاصد الإمام الهروي محمودا ، وقد سبق أن وصفه بأنه ناقص مذموم .
ويقول تعليقا على كلام الهروي في ص 227 « هذا كلام - إن أخذ على ظاهره - فهو من أبطل الباطل ، الذي لولا إحسان الظن بصاحبه وقائله ، ومعرفة قدره من الإمامة والعلم والدين ، لنسب إلى لازم هذا الكلام » أه . وينسى ما قاله تعليقا على نفس العبارة في ص 197 « ولا ريب أن صاحب المنازل ( أي الهروي ) إنما أراد أن يعذرهم بالقدر ، ويقيم عليهم حكم الأمر ، فينظر بعين القدر ويعذرهم بها ، وينظر بعين الأمر ويحملهم عليها بموجبها ، فلا يحجبه مطالعة الأمر عن القدر ، ولا ملاحظة القدر عن الأمر » أه .
يا سبحان اللّه ، ابن القيم يدعي أنه يعلم ما أراده الإمام الهروي ، وأنه في هذه الدرجة من التمكن في إقامة الشريعة مع الإيمان والنظر من مقام الإحسان بعين القدر ، ثم لولا حسن ظنه به لنسبه إلى لازم الكلام ! ! وهو يشهد له بأنه إمام في العلم والدين والمعرفة والتقدم في طريق السلوك ! !
تفيقه ابن القيم وتنطعه :
سبق أن أشرنا إلى أن الإمام الهروي كتب كتاب « منازل السائرين » لقوم طلبوا الترقي إلى مقام الإحسان ، وصفهم في مقدمة كتابه بلفظة « الفقراء » وهو اصطلاح عند القوم ، يتضمن معناه اللغوي ، فيقول : « إن جماعة من الراغبين في الوقوف على منازل السائرين « 2 » إلى الحق عز اسمه ، من الفقراء ، من أهل القراءة والغرباء ، طال عليّ مسألتهم زمانا أن أبين لهم بيانا ، ليكون على
هامش
( 1 ) وهو الذي وصفه ابن القيم في ص 147 بأنه يخبط .
( 2 ) أشار الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي إلى كتاب « منازل السائرين » للإمام الهروي ، في الجزء الثاني من الفتوحات المكية ص 280 ، كما ذكر الإمام الهروي في الجزء الأول من الفتوحات المكية ص 462 وفي كتاب « الأمر المحكم المربوط » .