بكلام القوم ، ولا بالصوفية والتصوف ، فإن السكر هو الذي يناسب مقام البسط ، فإن السكران لا يشعر بالحرج من الكلام ، وهو في بسط بعدم التقيد ، بعكس الصاحي ، فإنه ملاحظ للحرج وللتقيد باللفظ ، يدل على ذلك عدم فهم ابن القيم لقول الإمام الهروي في الصحو : « إنه طاهر من الحرج » . فشرحه في ص 317 بقوله : « إن الصاحي خال من الحرج ، لا حرج عليه » ، أه - وهذا عكس قصد الإمام الهروي من أن الصاحي طاهر من أجل الحرج الذي قام به ، أي طاهر بسبب الحرج الذي قام به .
ويقول في معرض قول الإمام الهروي عن الذوق « فلم يعقله ظن » في الجزء الثالث ص 91 يقول ابن القيم « الظن » هو الوقوف عن الجزم بصحة الوعد والوعيد ، بحيث لا يترجح عنده جانب التصديق . أه - وهذا خطأ فإن الظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم ، فهو ترجيح من غير جزم ، أما الوقوف الذي لا ترجيح فيه فهو الشك .
ويقول ابن القيم في « باب الصفاء » عن الدرجة الثالثة في الصفاء الذي أتى به الإمام الهروي ، فيقول ابن القيم في الجزء الثالث ص 150 « في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير ، يجبره حسن حال صاحبه » ويسترسل في ص 154 فيقول عن قول الإمام الهروي « ويطوي خسة التكاليف في عين الأزل » فيقول ابن القيم : « ليت الشيخ عبّر عن هذه اللفظة بغيرها ، فو اللّه إنها لأقبح من شوكة في العين ، وشجى في الحلق ، وحاشا التكاليف أن توصف بخسة ، أو تلحقها خسة » . أه .
إذا رجعت إلى معنى يخس وخس ، تجده بمعنى خف وزنه فلم يعادل ما يقابله ، وهذا المعنى يدل على الفرق بين رسوخ الإمام الهروي في اللغة العربية ، ووقوف ابن القيم مع مبادي اللغة ، فأفسد المعنى الذي قصده الإمام الهروي ، وهو أنه يطوي خفة التكاليف ، أي يرى أن وزنها خفيف بالنسبة لما يقابلها من ثقل الثواب ، الصلاة خمس وهي خمسون ، ولها أجر خمسين صلاة ، أما قول الإمام الهروي « في عين الأزل » يعني قبل صدور التكليف ونزوله ، فأين فهم ابن القيم من سمو قصد الإمام الهروي ، فهو الفرق بين الثرى والثريا ، وهل لفظ الإمام الهروي فيه قلق وسوء تعبير ؟ ! أم الصدع في فهم ابن القيم ؟ يدل على ذلك أنه عندما أدرك أن الخسة بمعنى القلة والخفة ، قال في ص 156 « وكأنه ( أي الهروي ) أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها ، بالنسبة إلى عظمة المكلّف سبحانه وما يستحقه » أه . وما ذهب إليه ابن القيم يدل على سقم فهمه ، فإنه يستحيل أن يزن الهروي شيخ الإسلام - كما يسميه ابن القيم - ولا أي طالب علم ، التكاليف بالمكلّف ( اسم فاعل ) سبحانه ، فإن التكاليف توزن بما يقابلها بالمناسب من الثواب والعقاب .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 523
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٥٢٣