فتوى ابن تيمية في الحديث « اللهم زدني فيك تحيرا » :
وننتقل الآن إلى تحقيق الفرق في معنى الحيرة عند الإمام ابن تيمية والشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي .
ورد في فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية في المجلد الحادي عشر ما نصه :
« وسئل ( أي الإمام ابن تيمية ) هل قال النبي صلى اللّه عليه وسلم » : « زدني فيك تحيزا » . إلى أن قال السائل . . وقال محمد بن الفضل : العارف كلما انتقل من حال إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة ، وقال : أعرف الناس باللّه أشدهم فيه تحيرا ، وقال الجنيد : انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة ، وقال ذو النون المصري : غاية العارفين التحير وأنشد بعضهم :
قد تحيرت فيك خذ بيدي * يا دليلا لمن تحير فيه
فبينوا لنا القول في ذلك بيانا شافيا .
فأجاب : الحمد للّه ، هذا الكلام المذكور « زدني فيك تحيرا » من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث ، وإنما يرويه جاهل أو ملحد ، فإن هذا الكلام يقتضي أنه كان حائرا ، وأنه سأل الزيادة في الحيرة ، وكلاهما باطل ، فإن اللّه هداه بما أوحاه إليه ، وعلمه ما لم يكن يعلم ، وأمره بسؤال الزيادة من العلم بقوله : « رب زدني علما » . . . إلى أن قال ابن تيمية . . وفي الجملة ، فالحيرة من جنس الجهل والضلال ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم أكمل الخلق علما باللّه وبأمره ، وأكمل الخلق اهتداء في نفسه وهديا لغيره ، وأبعد الخلق عن الجهالة والضلال . . . إلى أن قال . . ولم يمدح الحيرة أحد من أهل العلم والإيمان ، ولكن مدحها طائفة من الملاحدة ، كصاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله من الملاحدة ، الذين هم حيارى ، فمدحوا الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة ، وادعوا أنهم أكمل الخلق ، وأن خاتم الأولياء منهم يكون أفضل في العلم باللّه من خاتم الأنبياء ، وأن الأنبياء يستفيدون العلم باللّه منهم . . إلى أن قال . . وأما قول محمد بن الفضل إنه قال « العارف كلما انتقل من حال إلى حال استقبلته الحيرة » فهذا قد يراد به أنه كلما انتقل إلى مقام من المعرفة واليقين ، حصل له تشوق إلى مقام لم يصل إليه من المعرفة ، فهو حائر بالنسبة إلى ما لم يصل إليه ، دون ما وصل إليه ، وقوله « أعرف الناس باللّه أشدهم فيه تحيرا » أي