رَمَيْتَ
من كونك حقا
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
لأنه الحق ، فبالمجموع تحقق الكون ، وبترك المجموع قيل حق وخلق ، فالحق للوجود المحض ، والخلق للإمكان المحض ، ومع هذا فتحرير هذه المسئلة عسير جدا ، فإن العبارة تقصر عنها ، والتصور لا يضبطها لسرعة تفلتها وتناقض أحكامها ، وهي قوله
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فأثبت ونفى ، فهذا حكم هذه المسئلة بل هو عينها لمن تحقق . ( ف ح 2 / 426 - ح 4 / 427 - ح 2 / 216 )
وأما قولنا إن النفس الرحماني هو الذي يعطي الوجود ، فاعلم أنه لولا الحرج والضيق ما كان للنفس الرحماني حكم ، فإن التنفيس هو إزالة عين الحرج والضيق ، فالعدم نفس الحرج والضيق ، فإنه يمكن أن يوجد هذا المعدوم ، فإذا علم الممكن إمكانه وهو في حالة العدم ، كان في كرب الشوق إلى الوجود الذي تعطيه حقيقته ، ليأخذ بنصيبه من الخير ، فنفّس الرحمن بنفسه هذا الحرج فأوجده ، فكان تنفيسه عنه إزالة حكم العدم فيه ، وكل موجود سوى اللّه فهو ممكن فله هذه الصفة ، فنفس الرحمن هو المعطي صور الممكنات الوجود ، كما أعطى النفس وجود الحروف ، فالعالم كلمات اللّه من حيث هذا النفس ، كما قال تعالى
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
وهو عين عيسى عليه السلام ، وأخبر أن كلمات اللّه لا تنفد ، فمخلوقاته لا تزال توجد ولا يزال خالقا ، وصور العالم من أعلاه لطفا إلى أسفله كثافة ، لا يخرج كل صورة ظهر فيها عن كونه نفس الرحمن ، فاختلاف العالم بأسره لا يخرجه عن كونه واحد العين في الوجود ، فتحفظ من إثبات وجود عين زائدة ، أو من نفي عيون كثيرة في غير وجود عيني ، فأثبت الكثرة في الثبوت وانفها من الوجود ، وأثبت الوحدة في الوجود وانفها من الثبوت ، فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها ، لأن نفس الرحمن عينه ، ونفسه تعالى واحد لا يتكثر ، فالوجود واحد لا يتكثر ، إذ الحق هو الوجود ليس إلا . ( ف ح 2 / 459 ، 502 ، 505 )
لذلك قلنا إن العالم في جنب الحق متوهم الوجود لا موجود ، والموجود والوجود ليس إلا عين الحق .
إذا ما كنت عيني في وجودي * وكل قواي أين أنا وأنتا
فإما أن يكون الشأن عيني * وإما أن يكون الشأن أنتا