تعلم أنه إذا حملته تتألم به ، لأنها في حضرة لا تعرف فيها طعم الآلام ، بل تتخذه صاحبا ، فلو علمت العين أنها تتألم بذلك الحال إذا اتصفت به ، لتألمت في حال ثبوتها بنظره إياها ، لعلمها أنها تتلبس به وتحمله في حال وجودها ، فتألفها به في الثبوت تنعم لها ، وهذا الفن من أكبر أسرار علم اللّه في الأشياء . ( ف ح 4 / 81 )
إذا علمت هذا علمت أن عين العبد لا تستحق شيئا من حيث عينه ، لأنه ليس بحق أصلا ، والحق هو الذي يستحق ما يستحق ، فجميع الأسماء التي في العالم ويتخيل أنها حق للعبد حق للّه ، جهلنا معناها بالنسبة إليه وعرفناها بالنسبة إلينا ، فالاستحقاق بجميع الأسماء الواقعة في الكون الظاهرة الحكم ، إنما يستحقها الحق ، والعبد يتخلق بها ، وليس للعبد سوى عينه ، ولا يقال في الشيء إنه يستحق عينه ، فإن عينه هويته ، فلا حق ولا استحقاق ، وكل ما عرض أو وقع عليه اسم من الأسماء ، إنما وقع على الأعيان من كونها مظاهر ، فما وقع اسم إلا على وجود الحق في الأعيان ، والأعيان على أصلها لا استحقاق لها ، فالخلق عين بلا حكم ، وكونه مظهرا حكما لا عينا ، فالوجود للّه ، وما يوصف به من أية صفة كانت إنما المسمى بها هو مسمى اللّه ، فإنه ما ثمّ مسمى وجودي إلا اللّه ، فهو المسمى بكل اسم ، والموصوف بكل صفة ، والمنعوت بكل نعت ، فالكل أسماء اللّه ، أسماء أفعاله أو صفاته أو ذاته ، فما في الوجود إلا اللّه ، والأعيان معدومة في عين ما ظهر فيها ، فالوجود له والعدم لك ، فهو لا يزال موجودا وأنت لا تزال معدوما ، ووجوده إن كان لنفسه فهو ما جهلت منه ، وإن كان لك فهو ما علمت منه ، وما ظهر الحق إلا بما هو له ، لا من صفات التنزيه ولا من صفات التشبيه ، كل ذلك له ، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان ما وصف نفسه به من ذلك كذبا ، وتعالى اللّه ، بل هو كما وصف نفسه من العزة والكبرياء والجبروت والعظمة ونفي المماثلة ، كما وصف نفسه بالنسيان والمكر والخداع والكيد والفرح والمعية وغير ذلك ، فالكل صفة كمال للّه تعالى ، فهو موصوف بها كما تقتضيه ذاته ، وأنت موصوف بها كما تقتضيه ذاتك .
والعين واحدة والحكم مختلف * والعبد يعبد والرحمن معبود .
( ف ح 2 / 54 ، 483 )