في الحقيقة على ما يعطيه العلم أعراضا - فيسمونها صفات لازمة ، كصفرة الذهب وسواد الزنجي ، وهذا كله في حق من يثبتها أعيانا وجودية ، وثمّ من يقول إن ذلك كله نسب لا وجود لها إلا في عين المدرك لها ، لا وجود لها في عينها ، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر ابن الطيب الباقلاني على ما وصل إلينا ، والعهدة على الناقل ، وأهل الكشف لهم الاطلاع على جميع المذاهب كلها والنحل والملل والمقالات في اللّه ، اطلاعا عاما لا يجهلون منه شيئا ، فما تظهر نحلة من منتحل ، ولا ملة بناموس خاص تكون عليه ، ولا مقالة في اللّه أو في كون من الأكوان - ما تناقض منها وما اختلف وما تماثل - إلا ويعلم صاحب الكشف من أين أخذت هذه المقالة أو الملة أو النحلة ، فينسبها إلى موضعها ويقيم عذر القائل بها ، ولا يخطئه ولا يجعل قوله عبثا ، فإن اللّه ما خلق سماء ولا أرضا وما بينهما باطلا . ( ف ح 3 / 397 )
واعلم أن حاجة الأسماء إلى التأثير في أعيان الممكنات ، أعظم من حاجة الممكنات إلى ظهور الأثر فيها ، وذلك أن الأسماء لها في ظهور آثارها السلطان والعزة ، والممكنات قد يحصل فيها أثر تتضرر به وقد تنتفع به ، وهي على خطر ، فبقاؤها على حالة العدم أحب إليها لو خيرت ، فإنها في مشاهدة ثبوتية حالية ، ملتذة بالتذاذ ثبوتي ، منعزلة كل حالة عن الحالة الأخرى ، لا تجمع الأحوال عين واحدة في حال الثبوت ، فإنها تظهر في شيئية الوجود في عين واحدة ، فزيد مثلا الصحيح في وقت ، هو بعينه العليل في وقت آخر ، والمعافى في وقت ، هو المبتلى في وقته ذلك بعينه ، وفي الثبوت ليس كذلك ، فإن الألم في الثبوت ما هو في عين المتألم ، وإنما هو في عينه ، فهو ملتذ بثبوته ، كما هو ملتذ بوجوده في المتألم ، والمحل متألم به ، وسبب ذلك أن الثبوت بسيط مفرد ، غير قائم شيء بشيء ، وفي الوجود ليس إلا التركيب ، فحامل ومحمول ، فالمحمول أبدا منزلته في الوجود مثل منزلته في الثبوت في نعيم دائم ، والحامل ليس كذلك ، فإنه إن كان المحمول يوجب لذة التذ الحامل ، وإن أوجب ألما تألم الحامل ، ولم يكن له ذلك في حال الثبوت ، بل العين الحاملة في ثبوتها ، تظهر فيما تكون عليه في وجودها إلى ما لا يتناهى ، فكل حال تكون عليها هو إلى جانبها ناظر إليها لا محمول فيها ، فالعين ملتذة بذاتها والحال ملتذ بذاته ، فحال الأحوال لا يتغير ذوقه بالوجود ، وحال الحامل يتغير بالوجود ، وهو علم عزيز ، وما تعلم الأعيان ذلك في الثبوت إلا بنظر الحال إليها ، ولكن لا
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 479
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٧٩