تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
فينا فكثرت الأسماء ، والحق مسماها ، فنسبت إليه ولم يتكثر في نفسه بها ، فعلمنا أنها غائبة العين ، ولما فتح اللّه بها عالم الأجسام الطبيعية ، باجتماعها بعد ما كانت متفرقة في الغيب ، معلومة الافتراق في العلم ، إذ لو كانت مجتمعة لذاتها ، لكان وجود عالم الأجسام أزلا لنفسه لا للّه ، وما ثمّ موجود ليس هو اللّه إلا عن اللّه ، وما ثمّ واجب الوجود لذاته إلا اللّه ، وما سواه فموجود به لا لذاته ، فبالتأليف مع بقية الحدود ظهر الجسم ، فلما ظهر من ائتلاف المعاني صور قائمة بنفسها ، وطالبة محال تقوم بها كالأعراض والصفات ، علمنا قطعا أن كل ما سوى الحق ، عرض زائل وغرض ماثل ، وأنه وإن اتصف بالوجود وهو بهذه المثابة في نفسه في حكم المعدوم ، فلابد من حافظ يحفظ عليه الوجود وليس إلا اللّه تعالى ، ولو كان العالم أعني وجوده لذات الحق لا للنسب ، لكان العالم مساوقا للحق في الوجود ، وليس كذلك ، فالنسب حكم للّه أزلا ، وهي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق ، فيصح حدوث العالم ، وليس ذلك إلا لنسبة المشيئة وسبق العلم بوجوده ، فكان وجود العالم مرجّحا على عدمه ، والوجود المرجّح لا يساوق الوجود الذاتي الذي لا يتصف بالترجيح ، ولما كان ظهور العالم في عينه مجموع هذه المعاني ، فكأن هذا المعقول المحدود عرض له جميع هذه المعاني فظهر ، فما هو في نفسه غير مجموع هذه المعاني ، والمعاني تتجدد عليه ، واللّه هو الحافظ وجوده بتجديدها عليه ، وهي نفس المحدود ، فالمحدودات كلها في خلق جديد ، الناس منه في لبس ، فاللّه خالق دائما ، والعالم في افتقار دائم له في حفظ وجوده بتجديده ، فالعالم معقول لذاته موجود باللّه تعالى ، فحدوده النفسية عينه وهذا هو الذي دعا الحسبانية إلى القول بتجديد أعيان العالم في كل زمان فرد دائما ، وذهلت عن معقولية العالم من حيث ما هو محدود ، وهو أمر لا وجود له إلا بالوهم ، وهو القابل لهذه المعاني ، وفي العلم ما هو غير جميع هذه المعاني ، فصار محسوسا أمر هو في نفسه مجموع معقولات ، فأشكل تصوره وصعب على من غلب عليه وهمه ، فحار بين علمه ووهمه ، وهو موضع حيرة ، وقالت طائفة بتجدد الأعراض على الجوهر ، والجوهر ثابت الوجود وإن كان لا بقاء له إلا بالعرض ، وما تفطن صاحب هذا القول لما هو منكر له ، فغاب عنه شيء فجهله ، وظهر له شيء فعلمه ، وقالت طائفة أخرى بتجدد بعض الأعراض وهي المسماة عندهم أعراضا ، وما عداها - وإن كانت
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 478 | محمود محمود الغراب