أمر إضافي ، ولهذا نزعت طائفة إلى نفي الممكن وقالت : ما ثمّ إلا واجب أو محال ؛ ولم يتعقل لها الإمكان ، فالممكنات على ما قررناه أعيان ، ثابتة من تجلي الحق ، معدومة من تجلي العدم ، والممكنات متميزة في ذاتها في حال عدمها ، ويعلمها اللّه سبحانه وعلى ما هي عليه في نفسها ، ويراها ويأمرها بالتكوين وهو الوجود ، فتتكون عن أمره ، فما عند اللّه إجمال ، كما أنه ليس في أعيان الممكنات إجمال ، بل الأمر كله في نفسه وفي علم اللّه مفصل ، وإنما وقع الإجمال عندنا وفي حقنا وفينا ظهر ، فالممكن من المحال عدم عينه الثابتة ، كما أنه من المحال اتصاف عينه بأنه عين الوجود ، بل الوجود نعته بعد أن لم تكن ، وإنما قلنا هذا ، لأن الحق هو الوجود ، ولا يلزم أن تكون الصفة عين الموصوف بل هو محال ، والعبد باقي العين في ثبوته ، ثابت الوجود في عبوديته ، دائم الحكم في ذلك ، قال تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
وإن هنا بمعنى ما ، فعمّ بها وبشيء ، وجعله مخزونا في خزائن غيبه عنا ، فقلنا : إن الكون صادر من وجود وهو ما تحويه هذه الخزائن ، إلى وجود وهو ظهورها من هذه الخزائن لأنفسها
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
فما يتميز عنده إلا ما هو موجود له ، ولا يجري القدر إلا في عين مميزة عن غيرها ، وليس هذا صفة المعدوم من كل وجه ، فدل ذلك كله على وجود الأعيان للّه تعالى في حال اتصافها بالعدم لذاتها ، وهذا هو الوجود الأصلي لا الإضافي والعدم الإضافي ، فثبتت الأحوال للعالم ولكل ما سوى اللّه ، وأن الوجود ليس عين الموجود إلا في حق الحق سبحانه ، حتى لا يكون معلولا لوجوده ، فإنه لو كان معلولا لوجوده ، لكان حالا له ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . ( ف ح 3 / 46 ، 456 - ح 2 / 516 ، 587 )
واعلم أنه كان في مقابلة وجود الحق أعيان ثابتة موصوفة بالعدم أزلا ، وهو الكون الذي لا شيء مع اللّه فيه ، إلا أن وجوده أفاض على هذه الأعيان على حسب ما اقتضته استعداداتها ، فتكونت لأعيانها لا له ، من غير بينية تعقل أو تتوهم ، فالعين الثابتة للشيء حال عدمه ، هي له نسبة أزلية لا أول لها ، وابتداء الظهور عبارة عما اتصفت به من الوجود الإلهي ، إذ كانت مظهرا للحق ، فهو المعبر عنه بابتداء الظهور ، فإن تعدد الأحكام على المحكوم عليه مع أحدية العين ، إنما ذلك راجع إلى نسب واعتبارات ، فعين الممكن لم تزل ولا تزال على حالها من الإمكان ، فلم يخرجها كونها مظهرا حتى انطلق عليها الاتصاف