بالوجود ، عن حكم الإمكان فيها ، فإنه وصف ذاتي لها ، والأمور لا تتغير عن حقائقها باختلاف الحكم عليها لاختلاف النسب .
ولما استحق الحق الوجود لذاته استحال عليه العدم ، كذلك إذا استحق الممكن العدم لذاته استحال وجوده ، فلهذا جعلناه مظهرا ، فإن الممكن ما استحق العدم لذاته كما يقوله بعض الناس ، وإنما الذي استحقه الممكن تقدم اتصافه بالعدم على اتصافه بالوجود لذاته لا العدم ، ولهذا قبل الوجود بالترجيح ، إذن فالعدم المرجح عليه الوجود ، ليس هو العدم المتقدم على وجوده ، وإنما هو العدم الذي له في مقابلة وجوده في حال وجوده ، أن لو لم يكن الوجود لكان العدم ، فذلك العدم هو المرجح عليه الوجود في عين الممكن ، هذا هو الذي يقتضيه النظر العقلي ، وأما مذهبنا : فالعين الممكنة إنما هي ممكنة لأن تكون مظهرا ، لا لأن تقبل الاتصاف بالوجود ، فيكون الوجود عينها ، إذن فليس الوجود في الممكن عين الموجود ، بل هو حال لعين الممكن ، به يسمى الممكن موجودا مجازا لا حقيقة ، لأن الحقيقة تأبى أن يكون الممكن موجودا ، فلا يزال
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ
كما لم يزل ، لم يتغير عليه نعت ، ولا تغير على الوجود نعت ، فالوجود وجود ، والعدم عدم ، والموصوف بأنه موجود موجود ، والموصوف بأنه معدوم معدوم ، قال تعالى
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
وقال تعالى
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ
فسماه شيئا في حال هلاكه ، فكل شيء موصوف بالهلاك ، لأن
هالِكٌ
خبر المبتدأ الذي هو
كُلُّ شَيْءٍ
أي كل ما ينطلق عليه اسم شيء فهو هالك وإن كان مظهرا ، فهو في حال كونه مظهرا في شيئية عينه وهي هالكة ، فهو هالك في حال اتصافه بالوجود ، كما هو هالك في حال اتصافه بالهلاك الذي هو العدم ، فإن العدم للممكن ذاتي ، أي من حقيقة ذاته أن يكون معدوما ، والأشياء إذا اقتضت أمورا لذواتها فمن المحال زوالها ، فمن المحال زوال حكم العدم عن هذه العين الممكنة ، سواء اتصفت بالوجود أو لم تتصف ، فعين الممكنات باقية على أصلها من العدم ، وأنّها مظاهر للحق الظاهر فيها ، فلا وجود إلا للّه ، ولا أثر إلا لها ، فإنها بذاتها تكسب وجود الظاهر ما تقع به الحدود في عين كل ظاهر ، فهي أشبه شيء بالعدد ، فإنه معقول لا وجود له ، وحكمه سار ثابت في المعدودات ، والمعدودات ليست سوى صور الموجودات كانت ما كانت ، والموجودات سبب كثرتها أعيان