تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
وجدت عنها ، من سماء وأرض وشمس وقمر ونجم وجبال وشجر ودواب وكل موجود ، ثم لهذه الظلالات التي ظهرت عن تلك الأعيان الثابتة - من حيث ما تكونت أجساما - ظلالات ، أوجدها الحق لها دلالات على معرفة نفسها من أين صدرت ، والحضرة البرزخية هي ظل الوجود المطلق من الاسم النور ، الذي ينطلق على وجوده ، فلهذا نسميها ظلا ، ووجود الأعيان ظل لذلك الظل ، والظلالات المحسوسة ظلالات هذه الموجودات في الحس ، ولما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات ، وكانت الممكنات - وإن وجدت - في حكم العدم سميت ظلالات ، ليفصل بينها وبين من له الثبات المطلق في الوجود ، وهو واجب الوجود ، وبين من له الثبات المطلق في العدم ، وهو المحال ، لتتميز المراتب ، فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي ، فإنه ما ثمّ حضرة تخرج إليها ، ففيها تكتسب حالة الوجود ، والوجود فيها متناه ما حصل منه ، والإيجاد فيها لا ينتهي ، فما من صورة موجودة إلا والعين الثابتة عينها ، والوجود كالثوب عليها ، فالممكن كالحال الفاصل بين الوجود والعدم ، فهو لا موجود ولا معدوم ، فإن نسبته إلى الوجود وجدت فيه منه رائحة لكونه ثابتا ، وإن نسبته إلى العدم صدقت لأنه لا وجود له ، والعجب من الأشاعرة ، كيف تنكر على من يقول : إن المعدوم شيء في حال عدمه ، وله عين ثابتة ثم يطرأ على تلك العين الوجود ، وهي تثبت الأحوال ؟ ! اللهم منكر الأحوال لا يتمكن له هذا ، ثم إن هذا البرزخ - الذي هو الممكن - بين الوجود والعدم ، سبب نسبة الثبوت إليه مع نسبة العدم ، هو مقابلته للأمرين بذاته ، وذلك أن العدم المطلق قام للوجود المطلق كالمرآة ، فرأي الوجود فيه صورته ، فكانت تلك الصورة عين الممكن ، فلهذا كان للممكن عين ثابتة وشيئية في حال عدمه ، ولهذا خرج على صورة الوجود المطلق ، ولهذا أيضا اتصف بعدم التناهي ، فقيل فيه : إنه لا يتناهى ، وكان أيضا الوجود المطلق كالمرآة للعدم المطلق ، فرأى العدم المطلق في مرآة الحق نفسه ، فكانت صورته التي رأى في هذه المرآة ، هو عين العدم الذي اتصف به هذا الممكن ، وهو موصوف بأنه لا يتناهى ، كما أن العدم المطلق لا يتناهى ، فاتصف الممكن بأنه معدوم ، فهو كالصورة الظاهرة بين الرائي والمرآة لا هي عين الرائي ولا غيره ، فالممكن ما هو من حيث ثبوته عين الحق ولا غيره ، ولا هو من حيث عدمه عين المحال ولا غيره ، فكأنه
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 470 | محمود محمود الغراب