الرحمن ، فالعطاء منه والأخذ منه ، فانقطع هؤلاء عن صلة الرحم بالمال ، لأنهم لا يد لهم ، مع غاية الإحسان في الشاهد ، والناس لا يشعرون ، وكذلك قوله
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
وفساد دنياهم هو فسادهم في الأرض ، لأن الجنة في السماء ، وفي هذا الفساد صلاح آخرتهم في السماء ، فيصومون ويسهرون ويحملون الأثقال الشاقة ، وهذا كله من فساد أرض أجسامهم ، لما طرأ عليها من النحول والذبول والضعف ، وهذا كله وصف أهل الشقاء في الكتاب ، فقال :
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
ثم وصفهم
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
( ف ح 2 / 137 )
ومنهم الضالون :
وهم التائهون الحائرون في جلال اللّه وعظمته ، كلما أرادوا أن يسكنوا ، فتح لهم من العلم به ما حيرهم وأقلقهم ، فلا يزالون حيارى ، لا ينضبط لهم منه ما يسكنون عنده ، بل عقولهم حائرة ، فهؤلاء هم الضالون الذين حيرهم التجلي في الصور المختلفة . ( ف ح 2 / 137 )
ومنهم المضلون :
قال تعالى
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
وهو في الاعتبار الذين أظهروا لأتباعهم من المتعلمين طريق الحيرة في اللّه ، والعجز عن معرفته ، وأنه بيده ملكوت كل شيء ، مع كونه خاطب عباده بالعمل ، وهو العامل بهم لا هم ، فلما نبهوا الناس على ما يقتضيه جلال اللّه ، من الإطلاق وعدم التقييد ، كانوا مضلين أي محيرين ، من أجل ما حيروا الخلق في جلال اللّه ، فقال تعالى ما جعلناهم محيرين عضدا ، يعتضد بهم في تحيرهم ، بل أنا محيرهم على الحقيقة لا هم ، مع كونهم لهم أجر ما قصدوه ، والدليل على أني محيرهم لا هم ، ولا اتخذتهم عضدا ، أن من الناس من يقبل منهم ومن الناس من لا يقبل ، ولو كان الأمر بأيديهم لأثروا في الكل القبول ، فلما كان الأمر بيدي لا بأيديهم ، جعلت القبول في البعض دون البعض ، فقبلوا الحيرة فيّ ، فأنا كنت محيرهم لا هم ، فعلى هذا يعتبر قوله
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
بل لنأجرهم على ذلك . ( ف ح 2 / 137 )