بالإطلاق ، فهو محمود بالتقييد ، وهو من باب الكرامات وخرق العوائد ، ولكن لا يسمون سحرة ، مع أنه يشاهد منهم خرق العوائد ، فسمي ذلك في حقهم كرامة ، وهو عين السحر عند العلماء ، فقد كان سحرة موسى ما زال عنهم علم السحر مع كونهم آمنوا برب موسى وهارون ، ودخلوا في دين اللّه ، وآثروا الآخرة على الدنيا ، ورضوا بعذاب اللّه على يد فرعون ، مع كونهم يعلمون السحر ، ويسمى عندنا علم السيمياء ، مشتق من السمة وهي العلامة ، أي علم العلامات التي نصبت على ما تعطيه من الانفعالات ، من جمع حروف وتركيب أسماء وكلمات ، فمن الناس من يعطى ذلك كله في بسم اللّه وحده ، فيقوم له ذلك مقام جميع الأسماء كلها ، وتنزل من هذا العبد منزلة كن . ( ف ح 2 / 135 )
ومنهم الكافرون :
وهم الساترون مقامهم مثل الملامية ، والكفار الزراعون لأنهم يسترون البذر في الأرض ، وذلك أن أهل الأنس والجمال والرحمة ، إذا نظروا في القرآن وفي الأشياء كلها ، لم تقع عينهم إلا على حسن وجمال ، لا على غير ذلك ، كان ذلك ما كان ، وإذا قرؤوا القرآن لم يقم لهم من صور الممقوتين ، إلا ما تتضمنه من مصارف الحسن ، فعلى ذلك تقع أعينهم ، وذلك يشهدهم الحق من تلك الآية ، التي وصف اللّه بها من مقته من عباده ، لقيام تلك الصفة به على حد مطلقها ، فيأخذون من كل صفة ما يليق بهم في طريقهم ، فيصرفون ذلك إليهم بالوجه الأحسن ، فيتنعمون بما هو عذاب عند غيرهم ، والصورة واحدة ، والمتصوّر منها مختلف ، لاختلاف الناظرين ، فلكل منظر عين تخصه ، فالكافر من ختم اللّه على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة ، والكافر من الأولياء من كان ختم الحق على قلبه ، لأنه اتخذه بيته فقال : ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي ؛ واللّه غيور فلا يريد أن يزاحمه أحد من خلقه فيه ، فإن اللّه لا ينظر إلا إلى قلب العبد ، فلما ختم اللّه على قلب هذا العبد ، لم يدخل في قلبه سوى ربه ، وختم على سمعه فلا يصغي إلى كلام أحد إلا إلى كلام ربه ، فهم عن اللغو معرضون ، وعلى بصره غشاوة ، وهي غطاء العناية ، فلا ينظرون إلى شيء إلا ولهم فيه آية تدل على اللّه ، فكان هذا الحفظ غشاوة ، تحول بين أعينهم وبين النظر