سفساف أخلاق من : حرص وحسد وشره وبخل وفزع وكل صفة مذمومة ، فأعطانا لها مصارف ، إذا أجريناها على تلك المصارف ، عادت مكارم أخلاق ، وزال عنها اسم الذم ، وكانت محمودة ، فتمم اللّه به مكارم الأخلاق وبه كان خاتما ، ومن كان على مكارم أخلاق ، فهو على شرع من ربه وإن لم يعلم ذلك ، ومكارم الأخلاق معلومة عقلا وشرعا وعرفا ، والتصرف بها وفيها معلوم شرعا ، فمن اتصف بها على الوجه المشروع ، وزاد تتميم مكارم الأخلاق ، وهو إلحاق سفسافها ، فتكون كلها مكارم أخلاق بالتصرف المشروع والمعقول ، فقد اتصف بكل ثناء إلهي . ( ف ح 2 / 363 )
واعلم أن صفات النفس لازمة لها في أصل خلقتها ، لا تنفك عنها ، حتى أن بعض أصحابنا قد جعلها عين ذاتها ، وأنها صفات نفسية لها ، كالحرص والبخل والنميمة ، وكل وصف مذموم ، فمتعلق الذم الذي أمرنا بالطهارة منه ، ما هو عين الصفة ، وإنما هو عين المصرف ، فالإنسان لا يتطهر من الحرص ، وإنما يتطهر من صرف الحرص على جمع حطام الدنيا وحرامها ، فيتطهر بالحرص عينه ، على حكم ما تطهر منه بالمصرف أيضا ، وهو أن بتطهر بالحرص ، على طلب العلم وتحصيل أسباب الخير والأعمال الصالحة ، والحرص على جميع أسباب سعادته ، فإن عين الحرص ما يتمكن زواله ، فالحرص بوجه تكون سعادة الحريص بالحرص ، وبوجه تكون شقاوة الحريص بالحرص أيضا ، فلهذا قلنا بالمصرف لا بعين الصفة ، وعلى هذا نأخذ جميع الصفات التي علق الذم بها ، إنما علق الذم بمصارفها لا بأعيانها ، فعموم طهارة الباطن إنما متعلقه مصارف الصفات ، ولا يعلم مصارف الصفات إلا من يعلم مكارم الأخلاق ، فيتطهر بها ، ويعلم سفساف الأخلاق فيتطهر منها ، وما خفي منها مما لا يدركه يتلقاه من الشارع ، وهو كل عمل يرضي اللّه ، فيتطهر به من كل عمل لا يرضيه ، فيتطهر منه بالرياضة وتهذيب الأخلاق ، فإن الخروج عن طبع النفس لا يصح ، ولما كان لا يصح ، بيّن اللّه لذلك الطبع مصارف ، فإذا وقفت النفوس عندها حمدت وشكرت ، ولم تخرج بذلك عن طبعها ، فرياضتها اقتصارها على المصارف التي عيّنها لها خالقها ، فإن عين الشيء المزاجي ليس غير مزاجه ، فلو خرج الشيء عن طبعه لم يكن هو ، فإن الصفات التي جبل عليها الإنسان لا تتبدل ، فإنها ذاتية له في هذه النشأة الدنيا والمزاج الخاص ، من
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 443
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٤٣