الجبن والشح والحسد والحرص والنميمة والتكبر والغلظة وطلب القهر وأمثال هذا ، ولما لم يتجه تبدلها بيّن اللّه لها مصارف ، صرفها إليها حكما مشروعا ، فإن صرفت إليها أحكام هذه الصفات سعدت ونالت الدرجات ، فجبنت عن إتيان المحارم لما تتوقعه من المضرة ، وشحت بدينها ، وحسدت منفق المال وطالب العلم ، وحرصت على الخير ، وسعت بين الناس بإيصال الخير ، فنمّت به كما تنم الروضة بما فيها من الأزهار الطيبة الريح ، وتكبرت باللّه على من تكبر على أمر اللّه ، وأغلظت القول والفعل في المواطن التي تعلم أن ذلك في مرضاة اللّه ، وطلبت القهر على من ناوي الحق وقاواه ، فلم تزل هذه النفس عن صفاتها وصرفها في المصارف التي يحمدها عليها ربها وملائكته ورسله ، فالشرع ما جاء إلا بما يساعده الطبع ، فلا أدري ، من أين ينال الإنسان المشقة ، وما حجر عليه ما يقتضيه طبعه من هذه الصفات بتبيين المصارف ؟ ! فما هلك الناس إلا بسلطان الأغراض ، فإنه الذي أدخل الألم عليهم والمكروه ، فلو أن الإنسان يصرف غرضه إلى ما أراده له خالقه لاستراح ، واعلم أن المشي في الظلمة بغير سراج وضوء ، في طريق كثيرة المهالك والحفر والأوحال والمهاوي والحشرات المؤذية ، التي لا يتقى شيء من هذا كله ، إلا أن يكون الماشي فيها بضوء ، يرى به حيث يجعل قدمه ، ويجتنب به ما ينبغي أن يجتنب مما يضره ، من مهواة يهوي فيها ، أو مهلك يحصل فيه ، أو حية تلدغه ، وليس له ضوء سوى نور الشرع ، الذي قال فيه تعالى
نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
وقال
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
وقال
نُورٌ عَلى نُورٍ
فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق والهداية ، بان الطريق بالنورين . ( ف ح 1 / 358 - ح 2 / 482 ، 687 )
ومن جمعية هذه الأمة المحمدية ، أن جعل اللّه لأوليائها حظا من نعوت أهل البعد عن اللّه ، بطريق القربة ، فيقع الاشتراك في اللفظ والمعنى ويتغير المصرف ، كما قلنا في الحرص إنه مذموم ، فإذا حرصنا على طلب العلم والتقرب به إلى اللّه كان محمودا ، وهو بإطلاق اللفظ مذموم ، فإنه ما يستعمل مطلقا إلا في مذموم ، فإذا أريد به الحمد قيّد ، فقيل حريص على الخير ، وهكذا الحسد يتعوذ منه مطلقا من غير تقييد ، فإنه بالإطلاق للذم ، ويستعمل في المحمود بالتقييد ، فلهذا جمع اللّه لأولياء هذه الأمة النظر في مثل هذا ، فحصلوا