الحكم - من سفساف الأخلاق ، وكل عمل يتعلق به التحريم أو الكراهة ، فالتقسيم فيه كالتقسيم في الواجب والمندوب إليه على ذلك الحد ، فترك ذلك العمل لاتصافه بالتحريم أو الكراهة من مكارم الأخلاق ، وعمله من سفساف الأخلاق ، وترك العمل فيه عمل روحاني لا جسماني ، لأنه ترك لا وجود له في العين ، وأما العمل الذي تعلق به التخيير وهو المباح ، فعمله من مكارم الأخلاق مع نفسك دنيا لا آخرة ، فإن اقترن مع العمل كونه عملته لكونه مباحا مشروعا ، كان من مكارم الأخلاق مع اللّه ومع نفسك دنيا وآخرة ، وكذلك حكمه في ترك المباح على هذا التقسيم سواء ، فجميع الأقسام تتعلق بالعبد ، وقسم المباح يتعلق بالحر ، وقسم المكروه والمندوب إليه يتعلق بالحر ، وفيه من روائح العبودية شمة لا حقيقة ، والشرع قد عين لك مكارم الأخلاق ، ولما كان من المحال أن يقوم الإنسان في خلق كريم يرضي جميع الخلائق ، فإنه إن أرضى زيدا أسخط عدوه عمرا ، لابد من ذلك ، فلما رأينا الأمر على هذا الحد ، قلنا : لا نصرف مكارم الأخلاق إلا في صحبة اللّه خاصة ، فكل ما يرضي اللّه نأتيه ، وكل ما لا يرضيه نجتنبه ، وسواء كانت المعاملة والخلق مما يخص جانب الحق أو تتعدى إلى الغير ، وإنها وإن تعدت إلى الغير فإنها مما يرضي اللّه ، وسواء عندك سخط ذلك الغير أو رضي ، فإنه إن كان مؤمنا رضي بما يرضي اللّه ، وإن كان عدوا للّه فلا اعتبار له ، فحسن الخلق إنما هو فيما يرضي اللّه ، فلا تصرفه إلا مع اللّه ، سواء كان ذلك في الخلق أو فيما يختص بجناب اللّه . ( ف ح 2 / 616 )
فمعنى قوله صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قسّمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف ، وظهرت مكارم الأخلاق كلها في الشرائع على يد الأنبياء والرسل ، وتبين سفسافها من مكارمها عند الجميع ، وما في العالم - على ما يقوم عليه الدليل ويعطيه الكشف والمعرفة - إلا أخلاق اللّه ( فإنها أحكام أسمائه وآثارها ) فكلها مكارم ، فما ثمّ سفساف أخلاق ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالكلمة الجامعة إلى الناس كافة ، وأوتي جوامع الكلم ، وكل نبي تقدمه على شرع خاص ، فأخبر صلى اللّه عليه وسلم : أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق ؛ لأنها أخلاق اللّه ، فألحق ما قيل فيه إنه سفساف أخلاق بمكارم الأخلاق ، فصار الكل مكارم أخلاق ، فما ترك صلى اللّه عليه وسلم في العالم سفساف أخلاق جملة واحدة - لمن عرف مقصد الشرع - فأبان لنا مصارف لهذا المسمى
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 442
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٤٢