ذكرت هذه الأبيات في كتاب الإسراء وهي جزء منه ، ثم ذكرت فيما بعده من الكتب ، مثل الفتوحات المكية ، وقد شرح هذه الأبيات الشيخ نفسه في كتاب النجاة عن حجب الاشتباه ، في شرح مشكل الفوائد من كتابي الإسراء والمشاهد ، تأليف إسماعيل بن سودكين ، تلميذ الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي اللّه عنهما ، فقال :
أنا القرآن والسبع المثاني * وروح الروح لا روح الأواني
شرح هذا البيت الأول الذي هو بمنزلة المتشابه من وجهين : أحدهما للمترسمين رجاء أن يلهمهم اللّه رشدهم ، وهو الذي يجري مجرى الصدقة عليهم ، والوجه الآخر هو الذي يقتضيه شرح المحققين من أهل الطريق ، وهو هدية اللّه تعالى إليهم ، فأما شرح الرسمي ، المتسلط بالقوة الفكرية والصفة الجدلية ، على كشف أسرار أهل الحقائق الإلهية ، القابلين للفيض الإلهي والنفحات الربانية ، بفراغ المحل مطلقا من المواد الفكرية ، وانتصابه فقيرا مجردا محققا بالعبودية ، فيقال له : إذا كان من أهل طريقة الكلام ، وهي الطريقة الباعثة لهم على الجدل والخصام ، فيخاطب هذا بلغته ، ويكلم بلسان أهل ملته ، بعد أن يعلم أولا ، أن المتكلم لم ينسب هذا القول إلى نفسه ، إنما ينسبه للذي عبر عنه أنه روحاني الذات ، فإن سلمت إليه فلا تجعل المؤاخذة عليه ، لأنه حكى لك نتيجة كشفه ، فإن أحببت أن نوضح لك وجها يسيغه التأويل عند أهل الجدل ، فيقال : يا هذا لما سلمت أن الحروف المكتوبة في المصحف تسمى قرآنا ، وهي عندك ليست عين كلام اللّه تعالى ، بل هي أدلة عليه ، فلا فرق بين دلالتها على اللّه أو دلالتي أنا على اللّه « 1 » تعالى ، فقد اجتمعنا في مشترك الدلالة ، وما سميت نفسي إلا بمحدث ، وهو المحدث الذي تسميه أنت قرآنا ، فإن قلت :
إن هذا لا يجوز التسمية به ، قلنا : عقلا أو شرعا ؟ فإن قلت : عقلا ، فليس هو مذهبك ولا مذهبنا ، فإن الأسامي بالمنع والجواز ليس للعقل ، وإن قلت : شرعا ، فانقل ولا تجده ، فبأي وجه تمنع ؟ فإن قلت : إنه يوهم ، قلنا : إنما نتكلم مع عاقل لا مع صاحب وهم .
وأما إذا كان الشرح مع أهل السعة والمحققين والمعتبرين ؛ كانوا واثقين بنور إدراكهم ، وأكثر الفتح عند هؤلاء هو أن يكشف للعبد عن نسخة القرآن في عالم الإنسان ،
هامش
( 1 ) راجع شرح كلام أبي يزيد البسطامي « أنا اللّه » .