النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، فمن جبل عليها فهو منور الذات مقدّس ، ومن لم يجبل عليها فإن الرياضة تلحقه بها وتحكم عليه ، والرياضة تذليل الصعب من الأمور ، فمن ذلل صعبا فقد راضه وأزال عن النفس جموحها ، فإنها تحب الرياسة والتقدم على أشكالها ، والرياضة تمنع النفس من هذا الخاطر وسلطانه ، ولا ترى لها شفوفا على غيرها ، لاشتراكها معهم في العبودية وإحاطة القبضة بالكل ، فبماذا ترأس ، فتمتثل أمر اللّه من حيث أنها مخاطبة من عند اللّه بذلك ، وتود أن يكون كل مخاطب من العبيد مسارعا إلى امتثال أمر سيده ، إيثارا لجنابه ، ما يخطر لها في المسارعة أن تسبق غيرها من النفوس ، فيكون لها بذلك مزية على غيرها ، لا يقتضي مقام الرياضة ذلك ، فإن الرياضة خروج عن الأغراض النفسية مطلقا من غير تقييد ، وأما الذوق الذي مبدؤه نفس عينه كما قدمنا ، فلا يحتاج إلى رياضة ولا مجاهدة ، فإن الرياضة لا تكون إلا في صعب الانقياد كثير الجموح ، أو منعوت بالجموح ، والمجاهدة إحساس بالمشقة ، وهذه العين التي ذكرناها ما تركت صعبا فتحكم عليه الرياضات ، فهو ذلول في نفسه ، أعطته ذلك مشاهدة تلك العين دفعة ، وأما الإحساس بالمشقات البدنية ، فذلك حس الطبع لا حس النفس ، فهو صاحب لذة في مشقة ، يحكم فيها بحكم ما عين اللّه له من الحقوق ، حيث قال له على لسان المبين عنه ، وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن لعينك عليك حقا ، ولنفسك عليك حقا ، ولزورك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه ؛ فالذائق لهذه العين حكمه ما شرع له ، ليس له ولا عنده رياضة في قبول ذلك أصلا ، وهذا ما أشار إليه الشيخ رضي اللّه عنه بقوله : لو يسلك الخلق الغريب محجتي .
( ف ح 1 / 10 - ح 2 / 548 )
واعلم أن نور التجلي المنفهق يسري في زوايا الجسم ، فيبهت العقل ويبهر ، فلا يظهر للمتجلى له تصريف ولا حركة ، لا ظاهرة ولا باطنة ، فإذا أراد اللّه أن يبقي العبد ، أرسل على القلب سحابة كون ما ، تحول بين النور المنفهق من التجلي وبين القلب ، فيتشمر النور إليها منعكسا ، وتشرح الأرواح والجوارح ، وذلك هو التثبيت ، فيبقى العبد مشاهدا من وراء تلك السحابة لبقاء الرسم ، وبقي التجلي دائما لا يزول أبدا ، ولهذا يقول كثير : إن الحق ما تجلى لشيء قط ثم انحجب عنه بعد ذلك ، ولكن تختلف الصفات ، ولنا في هذا المعنى .
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 435
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٣٥