اعلم أن الذكر أفضل من تركه ، فإن تركه إنما يكون عن شهود ، والشهود لا يصح أن يكون مطلقا ، والذكر له الإطلاق ، والذكر من العبد باستحضار ، والذكر من الحق بحضور ، لأنا مشهودون له معلومون ، وهو لنا معلوم لا مشهود ، فلهذا كان لنا الاستحضار وله الحضور ، فالعلماء يستحضرونه في القوة الذاكرة ، والعامة تستحضره في القوة المتخيلة ، ومن عباد اللّه العلماء باللّه من يستحضره في القوتين ، يستحضره في القوة الذاكرة عقلا وشرعا وفي القوة المتخيلة شرعا وكشفا ، وهذا أتم الذكر ، لأنه ذكره بكله .
وأما المقام الأعلى عند الشيخ ، فهو مقام ذكر الذكر ، وهو مثل مقام حمد الحمد ، وفيه يكون الذاكر عين المذكور عين الذكر ، وفيه يقول :
إذا ما ذكرت اللّه بالذكر نفسه * فما هو مذكور ولا أنا ذاكر
وذاك أتم الذكر في كل ذاكر * إذا أنت لم تعلمه ما أنت خابر
فكن عين ذكر الذكر لا تك ذاكرا * بوجه سوى هذا فإنك ظاهر
وكن واحدا من كل وجه تفر به * وتجهلك الأعداد والكثر حاضر
فمن شاء فليثبت ومن شاء فليزل * فهذا الذي ساقت إليه المقادر
إذا أنت لم تدر الذي أنا قائل * به في جناب الحق ما أنت تاجر
لو أنك بالنعت الذي قلته تكن * عليه لما دارت عليك الدوائر
فبرّك لم ينفق ومالك راسخ * وربحك لم يحصل وحدّك غامر
ولما كان ترك الذكر لا يكون إلا عن شهود ، والشهود لا يصح أن يكون مطلقا ، قال الشيخ رضي اللّه عنه :
لا يترك الذكر إلا من يشاهده * وليس يشهده من ليس يذكره
فقد تحيرت في أمري وفيه فأين الحق بينهما عينا فأوثره
ما إن ذكرتك إلا قام لي علم * فحين أبصره في الحين يستره
فلا أزال مع الأحوال أشهده * ولا أزال مع الأنفاس أذكره
ولا يزال لدى الأعيان يشهدني * ولا يزال مع الأسماء يظهر هو