الإلهي في الصور ، أو في الأسماء الإلهية أو الكونية ، ليس غير ذلك ، فإن كان التجلي في المعنى ، فعين مبدئه عينه ، ما له بعد المبدأ حكم يستفيده الإنسان بالتدريج ، كما يستفيد معاني تلك الصورة المتجلّى فيها ، أو معاني الأسماء كلها ، كل اسم منها ، فيرى في المبدأ ما لا يراه من ذلك الاسم بعد ذلك ، وصاحب المعنى مبدأ كل شيء عينه ، فلا يستفيد منه بعد هذه الإفادة الكلية ، فله التفصيل في التعبير عن ذلك الأمر الواحد ، وهو المراد بقولنا في صدر هذا الكتاب ( الفتوحات المكية ) :
حتى بدت للعين سبحة وجهه * وإلى هلم لم تكن إلا هي
فكان مبدؤها عينها ، وكل ما نأتي به بعد ذلك في جميع كلامنا ، إنما هو تفصيل لذلك الأمر الكلي ، تتضمنه تلك النظرة في تلك العين الواحدة ، وأكثر الناس على خلاف هذا الذوق ، ولهذا لا ينتظم كلامهم ، ويطلب الناظر فيه أصلا يرجع إليه جميع أقوالهم ، فلا يجد ، وكلامنا مرتبط بعضه ببعضه ، لأنه عين واحدة وهذا تفصيلها ، ويعرف ما قلناه من يعرف مناسبة آي القرآن ، في نسق بعضها إلى بعض ، فيعرف الجامع بين الآيتين ، وإن كان بينهما بعد ظاهر فذلك صحيح ، ولكن لابد من وجه جامع بين الآيتين مناسب ، هو الذي أعطى أن تكون هذه الآية مناسبة لما جاورها من الآيات ، لأنه نظم إلهي .
واعلم أن الذوق يختلف باختلاف التجلي ، فإن كان التجلي في الصور فالذوق خيالي ، وإن كان في الأسماء الإلهية والكونية فالذوق عقلي ، فالذوق الخيالي أثره في النفس ، والذوق العقلي أثره في القلب ، فيعطي حكم أثر ذوق النفس المجاهدات البدنية ، من الجوع والعطش وقيام الليل وذكر اللسان ، والتلاوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل اللّه ، ورمي ما تملكه اليد إن كان وحده ، لا تكون له عائلة ولا شيخ ، فإن كان بين يدي شيخ معتبر يربيه ، فيرمي ما بيده بين يدي ذلك الشيخ ، ويخرج عنه بالكلية ظاهرا وباطنا ، ولا يبقي له ملكا ، وإن كره ذلك بباطنه لضعفه ، أو أدركته فيه مشقة ، وأصل ذلك إتيان أبي بكر رضي اللّه عنه بجميع ما يملكه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حين قال له : ائتني بما عندك ؛ ويعطي حكم ذوق العقل الرياضات النفسية وتهذيب الأخلاق ، فتتضمن الرياضة المجاهدات البدنية ، ولا تتضمن المجاهدات الرياضات ، فالرياضات أتم في الحكم ، فإن