اعلم أنه لولا الهوى ما عبد اللّه في غيره ، وأن الهوى أعظم إله متّخذ عبد ، فإنه لنفسه حكم ، وهو الواضع كل ما عبد ، وفيه قلت :
وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى * ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى
قال تعالى
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
فلو لا قوة سلطانه في الإنسان ، ما أثر مثل هذا الأثر فيمن هو على علم بأنه ليس بإله ، فإذا جسّده قرره على ما حكم به فيمن قام به ، فحار وجاء وباله عليه ، فعذب في صورته .
ويقول في نفس الكتاب في الجزء الثالث الصفحة رقم 364 .
الكون موصوف بالتحجير ، فتوجه عليه الخطاب بأنه لا يحكم بكل ما يريد ، بل بما شرع له ، ثم أنه لما قيل له
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى
أي لا تحكم بكل ما يخطر لك ، ولا بما يهوى كل أحد منك ، بل احكم بما أوحى به إليك . . فدل التحجير على الخلق في الأهواء ، أن لهم الإطلاق بما هم في نفوسهم ، ثم حدث التحجير في الحكم والتحكم . . . فليست الأهواء إلا مطلق الإرادات . . . ثم لتعلم أن الهوى وإن كان مطلقا ، فلا يقع له حكم إلا مقيدا ، فإنه من حيث القابل يكون الأثر ، فالقابل لابد أن يقيده ، فإنه بالهوى قد يريد القيام والقعود من العين الواحدة ، التي تقبلهما على البدل في حال وجود كل واحد منهما في تلك العين ، والقابل لا يقبل ذلك ، فصار الهوى محجورا عليه بالقابل ، فلما قبل الهوى التحجير بالقابل ، علمنا أن هذا القبول له قبول ذاتي ، فحجر الشرع عليه فقبل ، وظهر حكم القابل في الهوى ، ظهوره في مطلق الإرادة فيمن اتصف بها .
ويقول في نفس الكتاب بالجزء الرابع الصفحة رقم 206 .
حصرة الاسم العزيز - من هنا ظهر كل من غلبت عليه نفسه واتبع هواها ، ولولا الشرع ما ذمه بالنسبة إلى طريق خاص ، لما ذمه أهل اللّه ، فإن الحقائق لا تعطي إلا هذا ، فمن اتبع الحق فما اتبعه إلا بهوى نفسه وأعني بالهوى هنا الإرادة « 1 » فلو لا حكمها عليه في ذلك ما اتبع الحق ، وهكذا حكم من اتبع غير الحق ، وأعني بالحق هنا ما أمر الشارع باتباعه ،
هامش
( 1 ) يشير بذلك إلى الحديث « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » .