ومظهر حقيقي علوي منسوب إليه ، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر المنسوبة لعباده ، على سبيل التقريب لأفهامهم والتأنيس لقلوبهم ، ونبه تعالى في كتابه العزيز على التنبيهين ، وأنه منزه عن الجوارح في الحالين ، ونبه على الأول بقوله تعالى
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وذلك يفهم أن كلما يظهر على أيدي العباد ، فهو منسوب إليه وفعل له ، وأن جوارحنا مظهر له وواسطة فيه ، فهو على الحقيقة الفاعل بجوارحنا ، مع القطع الضروري لكل عاقل ، أن جوارح العبد ليست بجوارح ربنا تعالى ، ولا صفات له ، ونبه على الثاني بقوله تعالى ، فيما أخبر به عنه نبيه صلى اللّه عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره : ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها - الحديث ؛ وقد حقق اللّه تعالى لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ذلك بقوله
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
بعد قوله تعالى
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
وبقوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فنزّل يد نبيه منزلة يده في المبايعة وأخذ الصدقات ، والرمي في قوله تعالى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
ذلك كله يفهم من أن العبد إذا صار محمودا ، صارت أفعاله ناشئة عن أنوار علوية روحانية من عند ربه سبحانه ، تكون له بمثابة الجوارح ، وأن اللّه سبحانه يكون له بواسطتها سمعا وبصرا ويدا ورجلا ، مع القطع الضروري بأن اللّه تعالى لا يكون جارحة لعبده . ( ف ح 2 / 216 )
يؤكد ما ذهبنا إليه قول الشيخ الأكبر قدس اللّه سره في كتابه « إنشاء الدوائر » : إن كل جزء من العالم لا يقبل الألوهية ، والإله لا يقبل العبودية ، بل العالم كله عبد ، والحق سبحانه وحده إله واحد صمد ، لا يجوز عليه الاتصاف بما يناقض الأوصاف الإلهية ، كما لا يجوز على العالم الاتصاف بما يناقض الأوصاف الحادثة العبادية ، والإنسان ذو نسبتين كاملتين ، نسبة يدخل بها إلى الحضرة الإلهية ، ونسبة يدخل بها إلى الحضرة الكيانية ، فيقال فيه عبد من حيث أنه مكلّف ، ولم يكن ثم كان كالعالم ، ويقال فيه رب من حيث أنه خليفة ، ومن حيث الصورة ، ومن حيث خلقه في أحسن تقويم ، فكأنه برزخ بين العالم والحق ، وجامع لخلق وحق .