تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
اعلم أن الإنسان هو المكلّف المختار ، وهو المجبور في اختياره ، فإن اللّه تعالى إذا قرن الأمر بإرادته ، فذلك هو الأمر الذي لا يعصيه مخلوق ، وهو قوله
إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
هذا هو الأمر الذي لا يمكن للممكن المأمور به مخالفته - لا الأمر بالأفعال والتروك - وهو الأمر الإلهي النافذ في المأمور ، لا يتوقف لأمره مأمور ، فإذا ورد الأمر الإلهي على لسان الكون ، ظهر في الأمثال ، فاعتزت النفوس أن تكون تتصرف تحت أوامر أمثالها ، فردت أوامر الحق ، إما على جهالة بأنها أوامر الحق ، وإما على علم بأنها أوامر الحق ، لكن أثرت فيها الواسطة ، لأن المحل يرد الحال فيه إلى صورته ، كالماء في الأوعية ، إلا أن المأمور إذا كان على بينة من ربه ، أبصر المأمور به ليس في قدرته إيجاد عينه ، إلا أن يتعلق به الأمر الإلهي الذي له النفوذ ، فيهيىء محله لوجود المأمور به ، عند إيجاد الحق إياه ، فإذا هيأ محلّه أوجده الحق ، فيقال في المحل . إنه عبد طائع للّه فيما أمره به ، ولسان الحال والكشف يقول :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
، وإذا لم يهييء محله لوجود المأمور به ، لم يظهر للمأمور به عين ، فقيل : عبد عاص أمر ربه مخالف ؛ ولسان الحال والكشف يقول له :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
؛ فلا يخلو العبد ولا العالم نفسا واحدا من وجود التكوين فيه . ( ف ح 3 / 417 ، 217 ، 226 ، 218 ) فإذا سمعتم العبد يتكلم ، فذلك تكوين الحق فيه ، والعبد على أصله صامت ، واقف بين يديه تعالى ، فما تقع الأسماع إلا على تكوينات الحق ، فإن ألسنة العالم كلّها أقوال اللّه ، وتقسيمها للّه ، فيضيف إلى نفسه منها ما شاء ، ويترك منها ما شاء ، لذلك يقول الممكن : كما أنك يا رب ما يبدل القول لديك ، ولا يكون عنك إلا ما سبق به علمك ، فمشيئتك واحدة ، والاختيار المنسوب إليّ منك ، فالذي تقبله ذاتي من الانقياد إليك ، أن أكون لك حيث تريد لا حيث تأمر ، إلا إن وافق أمرك إرادتك ، فحينئذ أجمع بينهما ، وأكثر من هذا فما تعطي حقيقتي إذا نسبتها إليك ، أنت القائل
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
وهو أكرم المكلفين عليك ، وهذا الحكم منك وعليك يعود ، فما كان انقيادك إلا إليك ، وأنا صورة مماثلة للمحجوبين الذين لا يعرفونك معرفتي ، فيقولون : قد أجاب الحق سؤالنا وانقاد إلينا فيما نريده منه ، وأنت ما أجبت إلا نفسك ، وما تعلقت به إرادتك ، فإن