تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣

وقوله رضي اللّه عنه : إذا أغناك فقد أبعدك في غاية القرب ، وإذا أفقرك فقد قربك في غاية البعد .

للإنسان وجهان - إذا كان كاملا - وجه افتقار إلى اللّه ، ووجه غنى إلى العالم ، فيستقبل العالم بالغنى عنه ، ويستقبل ربه بالافتقار إليه ، فهو لا يكون عند اللّه أبدا إلا فقيرا ذليلا ، ويكون عند العالم وجيها أي غنيا عزيزا ، فمن ذاق طعم الغنى عن العالم وهو يراه عالما - لا بد من هذا الشرط - فقد حصل على نصيب وافر من الغنى الإلهي ، إلا أنه محجوب عن المقام الأرفع في حقه ، لأن العالم مشهود له ولهذا اتصف بالغنى عنه ، فلو كان الحق مشهوده وهو ناظر إلى العالم ، لا تصف بالفقر إلى اللّه ، وحاز المقام الأعلى ، في حقه ، وهو ملازمة الفقر إلى اللّه ، لأن في ذلك ملازمة ربه عز وجل ، وأما الاستغناء فإنه يؤذن بالقرب المفرط ، وهو حجاب كالبعد المفرط ، ولما كان الغنى معظما في العموم ، حيث ظهر وفيمن ظهر ، فإن الخصوص ما لهم نظر إلا في الفقر ، فإنه شرفهم ، فلا يبرحون في شهود دائم مع اللّه ، قال تعالى
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
فصفة الغنى صفة ذاتية للحق ، والفقر صفة ذاتية في العبد ، لذلك قال الشيخ رضي اللّه عنه يناجي الحق بقوله : فيامن قربه بعد ؛ أي يا من تقرب إليك المتقربون بصفة الغنى ، ولو كان الغنى باللّه ، فهو بعد عن الصفة الذاتية للعبد وهي الفقر ، وقال : ويا من بعده قرب ؛ أي يا من تقرب إليك المتقربون بصفة الفقر ، وهي على الضد والبعد عن صفة الغنى ، وهو شرح قوله رضي اللّه عنه : إذا أغناك فقد أبعدك ؛ أي عن صفتك الذاتية وقوله : في غاية القرب ؛ من حيث أن غناك باللّه وقوله : وإذا أفقرك فقد قربك ؛ بصفتك الذاتية وقوله : في غاية البعد ؛ أي عن صفته تعالى وهي الغنى ، كل هذا يشير إلى أن صفة الفقر إلى اللّه أعلى مقاما عند العارفين من صفة الغنى باللّه .
وقف لدى حظك الذاتي تحظ بما * حظي به من له سعد وإسعاد الفقر والعجز في دنيا وآخرة * فغاية القرب قرب فيه إبعاد هذه طريقة أقوام لهم همم * فازوا بها وبها على الورى سادوا
( ف ح 4 / 308 - ح 2 / 160 )