الأعلى قد اتصف بها على ما يليق به ، فلا يتخلق العارف بها إلا بعد أن اكتسبت من اتصاف الملأ الأعلى روائح العبودة ، فمثل هؤلاء لا يجدون في التخلق بها طعما للربوبية ، التي تستحقها هذه الأسماء ، فمن عرف ما ذكرناه وعمل عليه ، ذاق من علم التجلي ما لم يذقه أحد ممن وجد طعم الربوبية في تخلقه ، فيقتضي الحق من الموحدين عدم المزاحمة ، ليبقى الرب ربا والعبد عبدا ، فلا يزاحم الرب العبد في عبوديته ، ولا يزاحم العبد الرب في ربوبيته ، مع وجود عين الرب والعبد ، فالموحد لا يتخلق بالأسماء الإلهية - أي قبل أن يأخذها من صفات الملأ الأعلى . ( ف ح 1 / 575 - ح 2 / 387 ، 39 ، 94 )
قول الشيخ الأكبر : رأيت ربي بعين ربي فقلت ربي فقال أنت
يتخيل بعض العارفين أن هذا البيت على النمط الأول ، أي كلما قويت النسبة عظمت المنزلة ، وليس كذلك ، فضمير المتكلم من هذا البيت عين العبد بربه لا بنفسه ، أي أن العبد الذي رأى أن الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، خاطب ربه فقال : « رأيت ربي بعين ربي » إذ الحق بصره ، فرأى ربه هو الفاعل لجميع الخيرات التي صدرت من العبد ومن قواه ، قال :
« فقلت ربي » أنت الفاعل لهذا الخير ، وليس لي فيه شيء ولا نسبة « فقال أنت » أي فقال ربي كرما منه وفضلا ، لا بل أنت الفاعل لهذا الخير ، فنسبه إلى عبده ليؤجره عليه ، إذ الحق لا يكون محلا للأجر ، فإنه لو انتفت النسبة في الفعل إلى العبد ، سواء في الخير أو الشر ، لانتفى الأجر والثواب والعقاب ، حيث لا عمل له ، فمن فضل اللّه عليك أن خلق فيك ونسب إليك ، وهذا من أعظم الفضل ، وهذا معنى قول الشيخ رضي اللّه عنه ، فضمير المتكلم عين العبد بربه لا بنفسه « 1 » . ( ف ح 1 / 575 )
قول الشيخ الأكبر :
فيامن قربه بعد * ويا من بعده قرب « 2 »
أقلني من هوى نفسي * فإني الواله الصب
هامش
( 1 ) شرح البيت للمؤلف والجامع وليس من كلام الشيخ الأكبر .
( 2 ) راجع شرح قول الحق لأبي يزيد : اترك نفسك وتعال ص 171 .