من زعم أنه يدرك على الحقيقة فقد جهل ، وإنما يدرك المحدث من حيث نسبته إليه ، المحب يرى محبوبه بعين محبوبه ، لو رآه بعينه ما كان محبا ، والمحبوب يرى محبه بعين المحب لا بعينه ، وربما يقال في هذا المقام :
فكان عيني فكنت عينه * وكان كوني فكنت كونه
يا عين عيني يا كون كوني * الكون كونه والعين عينه
( كتاب التجليات / تجلي رقم 83 )
قول الشيخ الأكبر : كلما بعدت النسبة عظمت المنزلة .
وقول العارف : كلما قويت النسبة عظمت المنزلة .
قول العارف : كلما قويت النسبة عظمت المنزلة ؛ من وجهين : الوجه الأول من جهة قوله تعالى : الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ؛ فمن نظر إلى هذا قال : ما منا إلا وله رحم وهي من الرحمن ، فقويت النسبة عنده من هذا الوجه ، فإنه انتسب إلى الحق فعظمت منزلته ، ومن الوجه الثاني كلما قويت النسبة بالتخلق بالأسماء الإلهية والأخلاق الإلهية ، عظمت المنزلة ، أي منزلة العبد عند اللّه تعالى ، يقول الشيخ الأكبر : هذا عند أصحابنا والأمر عندنا ليس كذلك : فإنه كلما بعدت النسبة عظمت المنزلة ؛ وذلك أنه لا مناسبة بين الحق والعبد بوجه من الوجوه ، فهو السيد ونحن العبيد ، ولا يصح أن يكون هناك وجه يجمع بين الحق والخلق ، فتقوى النسبة ، بل النسبة بين العبد والرب في غاية البعد ، فكل من تحقق بعبوديته ولم يتصف بصفة من صفات الربوبية ، فقد بعدت نسبته من صفات الربوبية ، وكان عبدا محضا فعظمت منزلته عند اللّه ، يقول اللّه لأبي يزيد : تقرب إليّ بما ليس لي ، الذلة والافتقار ؛ فعين القربة هنا هو عين البعد من المقام ، فالعارفون من عباد اللّه ، يجعلون بينهم وبين نعوت الحق عند التخلق بأسمائه ، ما وصف اللّه به الملأ الأعلى من تلك الصفة ، فيأخذونها من حيث هي صفة لعبيد من عباد اللّه مطهرين ، لا من حيث هي صفة للحق تعالى ، فإن شرفهم أن لا يبرحوا من مقام العبودية ، وهذا الذوق في العارفين عزيز ، فإن أكثر العارفين إنما يتخلقون بالأسماء الحسنى من حيث ما هي أسماء اللّه تعالى ، لا من حيث ما ذكرناه من كون الملأ