لا يمكن وجوده ، بل ظهر في أعيان ثابتة ، وهو قولنا في أول هذا الكتاب « 1 » : الحمد للّه الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه ؛ عن « عدم » من حيث أنه لم يكن لها عين ظاهرة ، « وعدمه » وعدم العدم وجود ، أي وإن لم يكن لها عين ، فهذه العين من وجود ظهرت على الحقيقة ، فأعدمت العدم الأول الذي أثبته بنسبة ما ، فهو من حيث تلك النسبة ثابت ، ومن هذه النسبة الأخرى منفي ، وإذا تحققت هذا ، فإن شئت قلت هو عن عدم ، وإن شئت قلت هو عن وجود ، بعد علمك بالأمر على ما هو عليه . ( ف ح 2 / 310 )
ولذا قال رضي اللّه عنه في الديوان :
سبحان من أوجد الأشياء من عدم * ومن ثبوت وجود غير مختصر
في عينه أو عيون الخلق يظهره * أحكامها بالذي فيها من الصور
وكله خارج عن عين صورته * بما له في وجود العين من سور
الحق أوجده والكون عينه * بما لديه من الآيات والسور
قول الشيخ الأكبر :
إذا تجلى حبيبي * بأي عين أراه
بعينه لا بعيني * فما يراه سواه
وذلك تنزيها لمقام الحق وتصديقا بكلامه ، فإنه القائل
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
ولم يخص دارا من دار ، بل أرسلها آية مطلقة ، ومسألة معينة محققة ، فلا يدركه سواه ، فبعينه سبحانه أراه ، في الخبر الصحيح « كنت بصره الذي يبصر به » فتيقظ أيها الغافل النائم عن مثل هذا وانتبه ، فلقد فتحت عليك بابا من المعارف ، لا تصل إليه الأفكار ، لكن تصل إلى قبوله العقول ، إما بالعناية الإلهية أو بجلاء القلوب بالذكر والتلاوة . ( ف ح 1 / 305 )
لذلك نراه رضي اللّه عنه يقول :
إذا تحلى الحبيب * بأي عين تراه
بعينه لا بعيني * فما يراه سواه
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية .