الشيخ الأكبر محي الدّين ابن العربي
توفي عام 638 ه
عدم العدم :
افتتح الشيخ الأكبر خطبة كتابه الفتوحات المكية بهذه العبارة :
الحمد للّه الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه ، وأوقف وجودها على توجه كلمه ، لنحقق بذلك سرّ حدوثها وقدمها من قدمه . ( ف ح 1 / 2 )
قال تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
وقال تعالى
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
فالكلمات في خزائن الجود لكل شيء يقبل الوجود ، وقال تعالى
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
من اسمه الحكيم ، فالحكمة سلطانة هذا الإنزال الإلهي ، وهو إخراج هذه الأشياء من هذه الخزائن إلى وجود أعيانها ، وهو قولنا في أول خطبة هذا الكتاب « 1 » : الحمد للّه الذي أوجد الأشياء من عدم وعدمه ؛ وعدم العدم وجود ، فهو نسبة كون الأشياء في هذه الخزائن محفوظة ، موجودة للّه ، ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها ، فبالنظر إلى أعيانها هي موجودة عن عدم ، وبالنظر إلى كونها عند اللّه في هذه الخزائن ، هي موجودة عن عدم العدم وهو وجود ، والتوجه من اللّه على الأشياء في هذه الخزائن هو قوله
إِذا أَرَدْناهُ
وكلمة الحضرة وهي قوله لكل شيء يريده
كُنْ
بالمعنى الذي يليق بجلاله ، وكن حرف وجودي ، فلا يكون عنه إلا الوجود ، ما يكون عنه عدم ، لأن العدم لا يكون ، لأن الكون وجود ، فهو قوله : وأوقف وجودها على توجه كلمه .
( ف ح 2 / 281 - ح 1 / 281 - ح 4 / 93 ، 414 - ح 1 / 280 )
وعلى هذا قلنا إن الأشياء مخلوقة من وجود لا من عدم ، فإن الأصل على هذا كان ، وهو العلماء من النفس وهو وجود ، وهو عين الحق المخلوق به ، وأجناس العالم مخلوقون من العماء ، وأشخاص العالم مخلوقون من العلماء أيضا ومن أنواع أجناسه ، فما خلق شيء من عدم
هامش
( 1 ) الفتوحات المكية .