كان عن اختيار منه ، فيصح أن يقال في السيد : إنه ملك الملك ، لأنه أجاب أمر عبده ، وعبده ملك له ، ومن أمر فأجاب فقد صح عليه اسم المأمور ، وهو معنى الملك ، فإذا أجاب السيد أمر عبده وهو ملك ، فبإجابته صير نفسه ملك ملكه ، وهذا غاية النزول الإلهي لعبده ، إذ قال له : ادعني أستجب لك ؛ فيقول له العبد : اغفر لي ، ارحمني انصرني اجبرني ، فيفعل ، ويقول اللّه له : ادعني ، أقم الصلاة ، آت الزكاة ، اصبروا ، رابطوا ، جاهدوا ، فيطيع ويعصي ، وأما الحق سبحانه فيجيب عبده لما دعاه إليه ، بشرط تفرغه لدعائه ، وقد يكون أثر المؤثر فعلا من غير أمر ، كالعبد يعصي ، فيثير كونه عاصيا غضبا في نفس السيد ، فيوقع به العقوبة ، فقد جعل العبد سيده يعاقبه بمعصيته ، ولو لم يعصه ما ظهر من السيد ما ظهر ، أو يغفر له ، وكذلك في الطاعة يثيبه ، فيكون من هذه النسبة أيضا ، ملك الملك أي ملكا لمن هو ملكه . ( ف ح 2 / 50 )
فلما كان الحق تعالى مجيبا لعبده المضطر ، فيما يدعوه به ويسأله منه ، صار كالمتصرف ، ففيه تصريف الخلق الحق ، ولا تصح هذه الإضافة ، إلا بتحقق العبد في كل نفس أنه ملك للّه تعالى ، من غير أن يتخلل هذا الحال دعوى تناقضه ، فإذا كان بهذه المثابة ، حينئذ يصدق عليه أنه ملك عنده ، فإن شابته رائحة من الدعوى ، وذلك بأن يدعي لنفسه ملكا ، عريا عن حضوره في تمليك اللّه إياه ذلك الأمر ، الذي سماه ملكا له وملكا ، لم يكن في هذا المقام ، ولا صح له أن يقول في الحق إنه ملك الملك ، وإن كان كذلك في نفس الأمر ، فقد أخرج هذا نفسه بدعواه ، بجهله ، أنه ملك للّه ، وغفلته في أمر ما ، فيحتاج صاحب هذا المقام إلى ميزان عظيم ، لا يبرح بيده ونصب عينه ، فإن العبد ما يملك غير سيده ، لأن العبد في كل حال يقصد سيده ، فلا يزال يصرّف سيده بأحواله في جميع أموره ، ولا معنى للملك إلا التصريف بالقهر والشدة ، ومهما لم يقم السيد بما يطلبه به العبد ، فقد زالت سيادته من ذلك الوجه ، وأحوال العبد على قسمين : ذاتية وعرضية ، وهو بكل حال منها يتصرف في سيده ، والكل عبيد اللّه ، فمن كان دنىء الهمة قليل العلم ، كثيف الحجاب ، غليظ القفا ، ترك الحق وتعبّد عبيد الحق ، فنازع الحق في ربوبيته فخرج من عبوديته ، فهو إن كان عبدا في نفس الأمر ، فليس هو بعبد مصطنع ولا مختص ، فإذا لم يتعبد أحدا من عباد اللّه ، كان عبدا
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 407
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٠٧