فما قبل شيء من المحدثات صورة الحق سوى الخيال ، كما أن للخيال - الذي هو جزء تابع للنفس الناطقة - التحكم فيها ، فإنه يصورها في أي صورة شاء ، وإن كانت النفس على صورة في نفسها ، ولكن لا يتركها هذا الخيال عند المتخيل ، إلا على حسب ما يريده من الصور في تخيله ، وليس للخيال قوة تخرجه عن درجة المحسوسات ، لأنه ما تولد ولا ظهر عينه إلا من الحس ، فكل تصرف يتصرفه في المعدومات والموجودات ، ومما له عين في الوجود أو لا عين له ، فإنه يصوره في صورة محسوس ، له عين في الوجود ، أو يصور صورة ما لها بالمجموع عين في الوجود ، ولكن أجزاء تلك الصورة كلها أجزاء وجودية محسوسة ، لا يمكن له أن يصورها إلا على هذا الحد ، فقد جمع الخيال بين الإطلاق العام ، الذي لا إطلاق يشبهه ، فإن له التصرف العام في الواجب والمحال والجائز ، وما ثمّ من له حكم هذا الإطلاق ، وهذا هو تصرف الحق في المعلومات بوساطة هذه القوة ، كما أن له التقييد الخاص المنحصر ، فلا يقدر أن يصور أمرا من الأمور إلا في صورة حسية ، كانت موجودة تلك الصورة المحسوسة أو لم تكن ، لكن لابد من أجزاء الصورة المتخيلة أن تكون كلها - كما ذكرنا - موجودة في المحسوسات ، أي قد أخذها من الحس ، حين أدركها متفرقة ، لكن المجموع قد لا يكون في الوجود ، وحكم الخيال مستصحب للإنسان في الآخرة ، فللخيال الكمال ، ولولاه ما فضل الإنسان على سائر الحيوان ، به جال وصال ، وافتخر وطال ، فله الشتات ، والجمع بين أضداد الصفات ، حكم على المحال والواجب ، بما شاءه من المذاهب ، يخرق فيهما العادة ، ويلحقهما بعالم الشهادة ، فيجسدهما في عين الناظر ، ويلحق الأول في الحكم بالآخر ، لا يثبت على حال ، وله الثبوت على تقلب الأحوال ، فالخيال مخلوق للّه ، إن قلت فيه موجود صدقت ، وإن قلت فيه معدوم صدقت ، وإن قلت لا موجود ولا معدوم صدقت ، وله حالان : حال اتصال ، وهذا الحال له بوجود الإنسان وبعض الحيوان ، وحال انفصال وهو ما يتعلق به الإدراك الظاهر ، منحازا عنه في نفس الأمر ، كجبريل في صورة دحية ، ومن ظهر من عالم الستر من الجنّة من ملك وغيره ، والفرق بين الخيال المتصل والخيال المنفصل ، أن المتصل يذهب بذهاب المتخيل ( اسم فاعل ) والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني والأرواح ، فتجسدها بخاصتها ، ومن هذا الخيال المنفصل يكون الخيال
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 404
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٠٤