تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١

الخيال - مسرح عيون العارفين :

اعلم أن اللّه تعالى لما خلق آدم عليه السلام ، الذي هو أول جسم إنساني تكوّن ، وجعله أصلا لوجود الأجسام الإنسانية ، وفضلت من خميرة طينته فضلة ، خلق منها النخلة ، فهي أخت لآدم عليه السلام ، وهي لنا عمة ، وسماها الشرع عمة وشبهها بالمؤمن ، ولها أسرار عجيبة دون سائر النبات ، وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء ، فمد اللّه في تلك الفضلة أرضا واسعة الفضاء ، إذا جعل العرش وما حواه ، والكرسي والسماوات والأرضون وما تحت الثرى ، والجنات كلها والنار ، في هذه الأرض ، كان الجميع فيها كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض ، وفيها من العجائب والغرائب ما لا يقدّر قدره ، ويبهر العقول أمره ، وفي كل نفس يخلق اللّه فيها عوالم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وفي هذه الأرض ظهرت عظمة اللّه ، وعظمت عند المشاهد لها قدرته ، وكثير من المحالات العقلية ، التي قام الدليل الصحيح العقلي على إحالتها ، هي موجودة في هذه الأرض ، وهي مسرح عيون العارفين العلماء باللّه ، وفيها يجولون . ( ف ح 1 / 126 ) واعلم أن الحضرات الوجودية ثلاث ، حضرة الأجسام وحضرة المعاني وحضرة البرزخ أو الخيال ، فحضرة الأجسام بنوعيه الكثيف واللطيف ، وحضرة المعاني هي المعقولات المجردة ، وحضرة الخيال تقبل ما له صورة وتصوّر ما ليس له صورة ، فحضرة البرزخ هو الفاصل بين حضرة الأجسام وحضرة المعاني ، فهو برزخ ليس هو عين أحدهما ، وفيه قوة كل واحد منهما ، ولما كان البرزخ أمرا فاصلا بين معلوم وغير معلوم ، وبين معدوم وموجود ، وبين منفي ومثبت ، وبين معقول وغير معقول ، سمي برزخا اصطلاحا ، وهو معقول في نفسه ، وليس إلا الخيال ، فإنك إذا أدركته وكنت عاقلا ، تعلم أنك أدركت شيئا وجوديا وقع بصرك عليه ، وتعلم قطعا بدليل أنه ما ثمّ شيء رأسا وأصلا ، فما هو الذي أثبت له شيئية وجودية ، ونفيتها عنه في حال إثباتك إياها ، فالخيال لا موجود ولا معدوم ، ولا معلوم ولا مجهول ، ولا منفي ولا مثبت ، كما يدرك الإنسان صورته في المرآة ، يعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه ، ويعلم قطعا أنه ما أدرك صورته بوجه ، لما يرى فيها من الدقة ، إذا كان جرم المرآة صغيرا ، ويعلم أن صورته أكبر من التي رأى بما لا يتقارب ، وإذا كان جرم المرآة كبيرا ، فيرى صورته في غاية الكبر ، ويقطع أن صورته أصغر
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 401 | محمود محمود الغراب