اللّه وذاته - إلا بالصورة ، ولو رام أن يدرك سيئا من غير صورة ، لم تعط حقيقته ذلك ، فمن هنا هو ضيق في غاية الضيق ، فإنه لا يجرد المعاني عن المواد أصلا ، ولهذا كان الحس أقرب شيء إليه ، فإنه من الحس أخذ الصور ، وفي الصور الحسية يجلي المعاني ، فهذا من ضيقه ، فالخيال أوسع المعلومات ، ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء ، قد عجز أن يقبل المعاني مجردة عن المواد كما هي في ذاتها ، فيرى العلم في صورة لبن أو عسل وخمر ولؤلؤ ، ويرى الإسلام في صورة قبة وعمد ، ويرى القرآن في صورة سمن وعسل ، ويرى الدين في صورة قيد ، ويرى الحق في صورة إنسان وفي صورة نور ، فهو الواسع الضيق ، وجعل اللّه الخيال نورا يدرك به تصوير كل شيء ، أيّ أمر كان ، فنوره ينفذ في العدم المحض فيصوره وجودا ، فالخيال أحق باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة بالنورية ، فنوره لا يشبه الأنوار ، وبه تدرك التجليات ، وهو نور عين الخيال لا نور عين الحس ، والذي يقول إن ثم خيالا فاسدا ، ذلك لعدم معرفته بإدراك النور الخيالي الذي أعطاه اللّه تعالى ، كما أن هذا القائل يخطّىء الحسّ في بعض مدركاته ، وإدراكه صحيح ، والحكم لغيره لا إليه ، فالحاكم أخطأ لا الحسّ ، كذلك الخيال أدرك بنوره ما أدرك وما له حكم ، وإنما الحكم لغيره وهو العقل ، فلا ينسب إليه الخطأ ، فإنه ما ثمّ خيال فاسد قط ، بل هو صحيح كله ، ويدرك الإنسان بعين خياله وقتا ما هو متخيّل ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : مثّلت لي الجنة في عرض هذا الحائط ؛ فأدرك ذلك بعين حسه ، وإنما قلنا بعين حسه ، لأنه تقدم حين رأى الجنة ليأخذ قطفا منها ، وتأخر حين رأى النار وهو في صلاته ، ونحن نعرف أن عنده من القوة ، بحيث أنه لو أدرك ذلك بعين خياله لا بعين حسه ، ما أثر في جسمه تقدما ولا تأخرا .
( ف ح 2 / 129 ، 113 - ح 1 / 306 )
واعلم أن الحق له الإيجاد على الإطلاق ما عدا نفسه تعالى ، وللخيال الإيجاد على الإطلاق ما عدا نفسه ، فالخيال موجد للّه عز وجل في حضرة الوجود الخيالي ، والحق موجود للخيال في حضرة الانفعال الممثل ، وإذا ثبت إلحاق الخيال في قوة الإيجاد بالحق ما عدا نفسه ، فهو على الحقيقة المعبر عنه بالإنسان الكامل ، فإنه ما ثمّ على الصورة الحقية مثله ، فإنه يوجد في نفسه كل معلوم ما عدا نفسه ، والحق نسبة الموجودات إليه مثل هذه النسبة ،
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 403
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٠٣