يدعو إلى اللّه بحالة صدق مع اللّه ، أثر في نفوس السامعين القبول ، فلا ترد دعوته ، وإذا دعا بلسانه ، وقلبه مشحون بحب الدنيا وأغراضها ، وكان دعاؤه صنعة ، لم يؤثر في القلوب ولا تعدى الآذان ، فيقولون : إن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب ، وإذا خرج من اللسان لم يتعد الآذان ، وهذا غاية الغلط ، فو اللّه ما من رسول دعا قومه إلا بلسان صدق من قلب معصوم ولسان محفوظ ، كثير الشفقة على رعيته ، راغب في استجابتهم لما دعاهم إليه ، هذه أحوال الرسل في دعائهم إلى اللّه تعالى وصدقهم ، ومع هذا يقول صلى اللّه عليه وسلم
إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
وقال تعالى
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
وقال
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
وقال
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
فلو أثر كلام أحد في أحد لصدقه في كلامه ، لأسلم كل من شافهه النبي عليه السلام بالخطاب ، بل كذّب وردّ الكلام في وجهه وقوتل ، فإن لم يكن للّه عناية بالسامع بأن يجعل في قلبه صفة القبول حتى يلقى بها النور الإلهي من سراج النبوة ، لما قبل . ( ف ح 3 / 51 ) .
واعلم أن الهداية أثر إلهي في قوله
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
وأثر كوني في قوله
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
ويعود معناه إلى الأول ، فإن الهادي الكوني لا يكون إلا رسولا من عند اللّه ، فهو مبلغ لا هاد ، معناه لا موفق ، لكنه هاد بمعنى مبين ، قال تعالى في البيان الذي لهم والتبيان الذي أوجبه عليهم اللّه تعالى
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وقال في الهداية التي هي التوفيق
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
أي ليس عليك أن توفقهم لقبول ما أرسلتك به وأمرتك بتبيانه
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
أي يوفق
مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
أي بالقابلين التوفيق ، فإنهم على مزاج خاص أوجدهم عليه ، فهؤلاء الهداة هم هداة البيان ، لا هداة التوفيق ، وللهادي الذي هو اللّه الإبانة والتوفيق ، وليس للهادي الذي هو المخلوق إلا الإبانة خاصة ، وإنما قلنا ذلك واستشهدنا بما استشهدنا به ، لما تقرر عند من لا علم له بالحقائق ، أن العبد إذا صدق فيما يبلغه عن اللّه في بيانه ، أثر ذلك في نفوس السامعين ، وليس كما زعموا ، فإنه لا أقرب إلى اللّه ومن اللّه ، ولا أصدق في التبليغ عن اللّه ، ولا أحب في القبول فيما جاء به من عند اللّه ، من الرسل صلوات اللّه عليهم وسلامه ، ومع هذا فما عمّ القبول من