السامعين ، بل قال الرسول الصادق في التبليغ
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
فلما لم يعمّ مع تحققنا هذه الهمة ، علمنا أن الهمة ما لها أثر جملة واحدة في المدعو ، والذي قبل من السامعين ما قبل من أثر همة الداعي الذي هو المبلغ ، وإنما قبل من حيث ما وهبه اللّه في خلقه من مزاج يقتضي له قبول هذا وأمثاله ، وهذا المزاج الخاص لا يعلمه إلا اللّه الذي خلقهم عليه ، وهو قوله تعالى
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
فلا تقل بعد هذا إذا حضرت مجلس مذكّر داع إلى اللّه ، فلم تجد أثرا لكلامه فيك : إن هذا من عدم صدق المذكر ، لا بل هو العيب منك من ذاتك ، حيث ما فطرك اللّه في ذلك الوقت على القبول ، فإن المنصف ينظر فيما جاء به هذا الداعي المذكر ، فإن كان حقا ولم يقبله ، فيعلم على القطع أن العيب من السامع لا من المذكر ، فإذا حضر في مجلس مذكر آخر وجاء بذلك الذكر عينه ، وأثر فيه ، فيقول السامع بجهله : صدق هذا المذكر ، فإن كلامه أثر في قلبي ، والعيب منك وأنت لا تدري ، فلتعلم أن ذلك التأثير لم يكن لقبولك الحق ، فإنه حق في المذكّرين في نفس الأمر ، وإنما وقع التأثير فيك في هذا المجلس دون ذلك ، لنسبة بينك وبين هذا المذكر ، أو بينك وبين الزمان ، فأثر فيك هذا الذكر ، والأثر لم يكن للمذكر ، إذ كان الذكر ولا أثر له فيك ، وإنما أثرت المناسبة التي بينتها لك ، الزمانية أو النسبة التي بينك وبين هذا المذكر ، وربما أثر لاعتقادك فيه ، ولم يكن لك اعتقاد في ذلك الآخر ، فما أثر فيك سواك أو ما أشبه ذلك ، ولهذا قلنا في تفسير الهداية الإلهية بالتوفيق والبيان ، فقولنا بالتوفيق ، أي بموافقة النسبة بين السامع والمذكر ، لا بالبيان ، فإن البيان فرضناه واقعا في الحالتين من المذكّرين ، ولم يقع القبول إلا في إحدى الحالتين ، وأقل فائدة في هذه المسألة ، سلامة المذكر من تهمتك إياه بعدم الصدق في تذكيره ، ورده وردك الحق ، فإن السليم العقل يؤثر فيه الحق ، جاء على يدي من جاء ، ولو جاء على لسان مشرك باللّه ، عدو للّه ، كاذب على اللّه ، ممقوت عند اللّه ، لكن الذي جاء به حق ، فيقبله العاقل من حيث ما هو حق ، لا من حيث المحل الذي ظهر به ، وبهذا يتميز طالب الحق من غيره . ( ف ح 3 / 498 )
فقد نبهتك على هذه المسألة وقد فشت في العامة ، وهي مبنية على أصل فاسد ،